طريق الهجرتين

المناضلة لحصل الاستسلام للعقوبة. والمناضلة المحذورة: المناضلة عن محبوبات الرب وأوامره. وليس الضنُّ بالنفس عن عذاب اللَّه بنقصٍ١، بل الكمال والفوز والنعيم في ضنّ العبد بنفسه عن أن يسلمها لعذاب اللَّه، ومن لم يضنّ بنفسه فليس فيه خير البتّة. والضنّ بالنفس إنَّما يُذَمّ إذا ضنّ بها عن بذلها في محبوب الربّ تعالى وأوامره، وأمَّا إذا ضنَّ بها عن عذابه فهل يكون هذا علّةً؟ وهل العلّة كلُّها إلا في عدم هذه المناضلة والضنّ؟

قوله: "وهيبة الجلال تعظيم الحقّ ونسيان النفس". قد تقدَّم الكلام في الهيبة والتعظيم، وأنَّهما غير الخوف والخشية٢. ولا تستلزم هذه الهيبة أيضًا نسيانَ النفس، ولا يكون شعور العبد بنفسه في هذا المقام نقصًا ولا علّةً، كما تقدَّم، بل هو أكمل لاستلزامه البقاء الذي هو أقوى وأكمل من الفناءِ.

وأمَّا قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ فهو حجّة عليه، كما تقدَّم. ولا يصحّ تفسير الخوف هنا بالهيبة لوجهين: أحدهما: أنَّه خروج عن حقيقة اللفظ ووضعه الأصلي بلا موجب، الثاني: أنَّ هذا وصفٌ للملائكة، وقد وصفهم سبحانه بخوفه وخشيته. فالخوف في هذه الآية، والخشية في قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ٢٨﴾ [الأنبياء/ ٢٨]. فوَصَفهم بالخشية والإشفاق. ووصَفَهم بخوف العذاب في قوله: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء/ ٥٧]، وهم

  1. (١) "ب، ك": "نقص"، وهو خطأ، لأنّه خبر ليس، فنصبه الناشر في "ط".
  2. (٢) انظر: ص (٦٣٢).
749

خواصّ خلقه١.

فإيَّاك ورعونات النفوس٢ وحماقاتها وجهالاتها، ولا تكن ممَّن لا يقدر اللَّه حقَّ قدره. وقد قال النبيّ ﷺ: "إنَّ اللَّه لو عذَّب أهلَ سماواته وأرضه لعذَّبهم، وهو غيرُ ظالمٍ لهم"٣. فإذا علم المقرّب العارف أنَّ اللَّه لو عذَّبه لم يظلمه، فمن أحقّ بالخوف منه؟

قوله: "وقال في حقِّ العوامّ: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ٣٧﴾ [النور/ ٣٧] ". هذا من الشطحات القبيحة الباطلة، فإنَّ هذا صفة خواصّ عباده وعارفيهم، وهم الذين قال فيهم: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ٣٧ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور/ ٣٨ - ٣٧]. فهؤلاء خواصّ الخلق، وهم أصحاب رسول اللَّه ﷺ ومن تبعهم بإحسانٍ، أفلا يستحيي من جعل هذا الوصف للعوامّ؟

ولا ريبَ أنَّ هذا مصدره إمَّا جهل مفرط، وإمَّا تقليد لقائل لا يدري لازمَ قوله. هذا إن أُحسِن الظن بقائله. وإن كان مصدره غيرَ ذلك فأدهى وأمرّ. ولولا أنَّ هذه الكلمات ونحوها مهاوٍ ومعاطبُ في الطريق لكان الإعراض عنها إلى ما هو أهمُّ منها أولى. واللَّه المستعان.

فصل [رجاؤهم]

قال: "ورجاؤهم ظمؤهم إلى الشراب الذي هم فيه غَرْقَى، وبه

  1. (١) "ب": "من خواص خلقه".
  2. (٢) "ك، ط": "النفس".
  3. (٣) تقدّم تخريجه في ص (١٦٤).
750

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي