فإيَّاك ورعونات النفوس٢ وحماقاتها وجهالاتها، ولا تكن ممَّن لا يقدر اللَّه حقَّ قدره. وقد قال النبيّ ﷺ: "إنَّ اللَّه لو عذَّب أهلَ سماواته وأرضه لعذَّبهم، وهو غيرُ ظالمٍ لهم"٣. فإذا علم المقرّب العارف أنَّ اللَّه لو عذَّبه لم يظلمه، فمن أحقّ بالخوف منه؟
قوله: "وقال في حقِّ العوامّ: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ٣٧﴾[النور/ ٣٧] ". هذا من الشطحات القبيحة الباطلة، فإنَّ هذا صفة خواصّ عباده وعارفيهم، وهم الذين قال فيهم: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ٣٧ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾[النور/ ٣٨ - ٣٧]. فهؤلاء خواصّ الخلق، وهم أصحاب رسول اللَّه ﷺ ومن تبعهم بإحسانٍ، أفلا يستحيي من جعل هذا الوصف للعوامّ؟
ولا ريبَ أنَّ هذا مصدره إمَّا جهل مفرط، وإمَّا تقليد لقائل لا يدري لازمَ قوله. هذا إن أُحسِن الظن بقائله. وإن كان مصدره غيرَ ذلك فأدهى وأمرّ. ولولا أنَّ هذه الكلمات ونحوها مهاوٍ ومعاطبُ في الطريق لكان الإعراض عنها إلى ما هو أهمُّ منها أولى. واللَّه المستعان.
فصل [رجاؤهم]
قال: "ورجاؤهم ظمؤهم إلى الشراب الذي هم فيه غَرْقَى، وبه
وهذا أيضًا من ذلك النمط، ورجاءُ الأنبياء والرسل فمن دونهم إنَّما هو طمعهم في رحمته ومغفرته. وانظر إلى دعوى هؤلاء، وإلى قول إمام الحنفاء٢ خليل الرحمن ﷺ: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ٨٢﴾[الشعراء/ ٨٢] كيف علَّق رجاءَه وطمعَه٣ بمغفرة اللَّه له؟ وقال تعالى عن خاصَّة خلقه وأعلمهم به إنّهم ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾[الاسراء/ ٥٧].
ومن العجب استدلاله بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾[الفرقان/ ٤٥]. فما لهذه الآية وما للرجاء، ولا سيَّما ما ذكره المصنف من٤ تفسيره رجاءَ القوم؟ والاستشهاد بهذا من جنس الألغاز!
ومعنى الآية التنبيهُ على هذه الدلالة الباهرة على قدرة الربِّ تعالى وعجائب٥ مخلوقاته الدّالة عليه. والمعنى: انظر كيف بسط ربّك الظلّ، و"الظلّ" ما قبل الزوال، و"الفيء" بعده، فمدَّه سبحانه وبسطه عند طلوع الشمس، فإنَّه يكون مديدًا أطولَ ما يكون، وجعل الشمس دليلًا عليه، فإنَّها هي التي تظهره وتبيّنه. ثمَّ كلَّما ارتفعت الشمس شيئًا انقبض من الظلّ جزءٌ، فلا يزال ينقبض٦ يسيرًا يسيرًا٧ حتى ينتهي إلى