قال: "فالإرادة١ والزهد والتوكل والصبر والحزن والخوف والرجاء والشكر والمحبة والشوق من منازل أهل الشرع السائرين إلى عين الحقيقة، فإذا شاهدوا عين الحقيقة اضمحلَّت فيها أحوال المشاهدين٢ حتَّى يفنى ما لم يكن، ويبقى ما لم يزل"٣.
قلت: الحقائق التي يشار٤ إليها على لسان أهل السلوك ثلاثة٥:
حقيقة إيمانية نبوية: وهي حقيقة العبودية التي هي كمال الحبّ وكمال الذلّ. وسير أهل الاستقامة إنَّما هو إلى هذه الحقيقة، ومنازل السير التي ينزلون فيها هي منازل الإيمان الموصلة إليها. والمنحرفون لا يرضون بهذه الحقيقة، ولا يقفون معها، ويرونها منزلةً من منازل العامَّة!
الحقيقة الثانية: حقيقة كونية قدرية. يشاهدون فيها انفرادَ٦ الربّ سبحانه بالتكوين والإيجاد وحده، وأنَّ العالم كالمَوَات٧ يقلِّبه ويصرِّفه كيف شاء٨. وهم يعظِّمون هذا المشهد ويرون الفناءَ فيه غايةً ما بعدها
(١) "ب، ط": "والإرادة".
(٢) محاسن المجالس (٩٦).
(٣) قراءة "ف" وغيرها: "الشاهدين". وفي المجالس: "السائرين".
(٤) "ك، ط": "أشار".
(٥) كذا في الأصل والنسخ الأخرى. وفي "ط": "ثلاث".
(٦) "ف": "أنوار"، تحريف.
(٧) في "ك" أقحمت كلمة "كانوا" قبل "كالموات". وفي "ط": "كالميت".
(٨) "ط": "يشاء".
شيء. وهذا من أغلاطهم في المعرفة والسلوك، فإنَّ هذا المشهد لا يدخل صاحبه في الإيمان فضلًا عن أن يكون أفضلَ مشاهد أولياء اللَّه المقرَّبين، فإنَّ عُبّاد الأصنام شهدوا هذا المشهد، ولم ينفعهم وحده.
فالفناءُ في هذا المشهد لا يُدخِل العبدَ في دائرة الإسلام، فكيف يُجعَل٤ هو الحقيقةَ التي ينتهي إليها سيرُ السالكين، وتُجعَل حقيقةُ الإيمان ودعوةُ الرسل منزلًا٥ من منازل العامَّة! وهل هذا إلا غاية الانحراف والبعد٦ عن الصراط المستقيم، وقلب للحقائق؟ وكم قد
(١) وقع في الأصل و"ف، ب": "اللَّه" في الموضعين الأخيرين من الآية، سهو.
(٢) "وقال تعالى" ساقط من "ط".
(٣) وقع في الأصل والنسخ الأخرى سهوًا: "وقال الذين أشركوا"!
(٤) "ط": "يجعله".
(٥) "ف": "منزل". وهي مشبوكة في الأصل بالكلمة التالية. وفي "ط": "منزلة".