طريق الهجرتين

شيء. وهذا من أغلاطهم في المعرفة والسلوك، فإنَّ هذا المشهد لا يدخل صاحبه في الإيمان فضلًا عن أن يكون أفضلَ مشاهد أولياء اللَّه المقرَّبين، فإنَّ عُبّاد الأصنام شهدوا هذا المشهد، ولم ينفعهم وحده.

قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٨٤ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٨٥ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ٨٦ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٨٧ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٨٨ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ٨٩﴾١ [المؤمنون/ ٨٤ - ٨٩].

وقال تعالى٢: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف/ ٨٧]. ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف/ ٢٠]. ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾٣ [الأنعام/ ١٤٨].

وهذا كثير من القرآن.

فالفناءُ في هذا المشهد لا يُدخِل العبدَ في دائرة الإسلام، فكيف يُجعَل٤ هو الحقيقةَ التي ينتهي إليها سيرُ السالكين، وتُجعَل حقيقةُ الإيمان ودعوةُ الرسل منزلًا٥ من منازل العامَّة! وهل هذا إلا غاية الانحراف والبعد٦ عن الصراط المستقيم، وقلب للحقائق؟ وكم قد

  1. (١) وقع في الأصل و"ف، ب": "اللَّه" في الموضعين الأخيرين من الآية، سهو.
  2. (٢) "وقال تعالى" ساقط من "ط".
  3. (٣) وقع في الأصل والنسخ الأخرى سهوًا: "وقال الذين أشركوا"!
  4. (٤) "ط": "يجعله".
  5. (٥) "ف": "منزل". وهي مشبوكة في الأصل بالكلمة التالية. وفي "ط": "منزلة".
  6. (٦) "ب": "البعد والانحراف".
757

هلك في هذه الحقيقة من أمم لا يُحصيهم إلا اللَّه! وكم عطَّل١ الواقفون معها من الشرائع، وخرَّبوا من المنازل! وما نجا من معاطبها إلا من شملته العنايةُ الربانيَّةُ، ونفذ ببصره من هذه الحقيقة إلى الحقيقة الإيمانية النبوية: حقيقةِ رسل اللَّه وأنبيائه وأتباعهم. وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء.

والحقيقة الثالثة: حقيقة اتحادية، بل وَحْدية٢. لا يفرَّق فيها بين الربّ والعبد، ولا بين القديم والمحدَث، ولا بين صانع ومصنوع، بل الأمر كلّه واحد، والأمر المخلوق هو عين الأمر الخالق. وهذه الحقيقة التي يشير إلى عينها طائفةُ الاتحادية، ويعدّون من لم يكن من أهلها محجوبًا! وهذه حقيقة كفرية إلحادية٣، وهي مع ذلك خيال فاسد، وعقل منكوس، وذوق من عين منتنة. وكفرُ أهلها أعظمُ من كفر كل أمة، فإنَّهم جحدوا الصانعَ حقًّا، وإن أثبتوه جعلوا وجودَه وجودَ كل موجود، والذين أثبتوا الصانع سبحانه، وعدلوا به غيرَه، وسوّوا بينه وبين غيره في العبادة = مقالتُهم خيرٌ من مقالة هؤلاء الذين جعلوه وجودَ كلِّ موجود. وعين كل شيء٤. تعالى اللَّه عمَّا يقول الكاذبون المفترون علوًّا كبيرًا.

  1. (١) "ب، ك، ط": "عطل لأجلها"، وقد انتشر الحبر في الأصل على الكلمتين وما بعدهما، فلا يدرى أكلمة "لأجلها" مضروب عليها أم لا. وقد اعتمدنا على "ف".
  2. (٢) "ط": "واحدية"، تحريف.
  3. (٣) "ب، ك، ط": "اتحادية". رسمها في الأصل يحتمل هذه القراءة، ولكن الصواب ما أثبتنا من "ف".
  4. (٤) "ف": "كل موجود"، خلاف الأصل.
758

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي