السلام من اللَّه عليهم، وهو المطابق لما تقدَّم من سلامه سبحانه على رسله.
وعلى التقدير الأوَّل يكون أمرًا بالسلام عليهم، ولكن يقال على هذا: كيف يُعطَف الخبرُ على الطلب مع تنافر ما بينهما؟ فلا يحسن أن يقال: "قُمْ وذهَبَ زيد"، ولا: "اخرُجْ وقعدَ عمرو"، ويجاب١ عن هذا٢ بأنَّ جملة الطلب قد حكيت بجملة خبرية، ومثل هذا٣ لا يمتنع العطف فيه بالخبر على الجملة الطلبية لعدم تنافر الكلام فيه وتباينه.
ونظير هذا٤ قوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ١٠١﴾[يونس/ ١٠١]. فقوله: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ﴾ ليس معطوفًا على المحكي بالقول وهو "انظروا" بل معطوف على الجملة الكبرى.
والمقصود أنَّه على هذا القول يكون اللَّه سبحانه قد سلَّم على المصطفين من عباده، والرسل أفضلهم. وقد أخبر سبحانه أنَّه أخلصهم بخالصةٍ ذكرى الدار، وأنَّهم عنده من المصطفَين الأخيار٦. ويكفي في
(١) "ط": "أو يجاب"، خطأ.
(٢) "ط": "على هذا"، تحريف.
(٣) "ط": "مع هذا".
(٤) "ط": "وهذا نظير".
(٥) وانظر: بدائع الفوائد (٦٥٦ - ٦٥٩).
(٦) يشير المؤلف إلى الآية (٤٦) من سورة ص. وقد غيّر النصّ في "ط" وجعل =
فضلهم وشرفهم أنَّ اللَّه سبحانه اختصَّهم بوحيه، وجعلهم أُمَناءَ على رسالته، ووسائط١ بينه وبين عباده، وخصَّهم بأنواع كرامته٢: فمنهم من اتخذه خليلًا، ومنهم من كلَّمه تكليمًا، ومنهم من رفعه٣ على سائرهم درجات. ولم يجعل لعباده وصولًا إليه إلا من طريقهم، ولا دخولًا إلى جنته إلا من خلفهم، ولم يكرم أحدًا منهم بكرامة إلا على أيديهم؛ فهم أقرب الخلق إليه وسيلة، وأرفعهم عنده درجة، وأحبهم إليه وأكرمهم عليه.
وبالجملة فخير الدنيا والآخرة إنَّما ناله العباد على أيديهم. وبهم عُرِفَ اللَّهُ، وبهم عُبدَ وأُطيع، وبهم حصلت محابّه تعالى في الأرض، وأعلاهم منزلةً أولوَ العزم منهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾[الشورى/ ١٣]. وفي قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾[الأحزاب/ ٧]٤. وهؤلاء هم الطبقة العليا من الخلائق، وعليهم تدور الشفاعة حتى يردّوها إلى خاتمهم وأفضلهم ﷺ.
الطبقة الثانية: من عداهم من الرسل على مراتبهم من تفضيلهم بعضهم على بعض.