طريق الهجرتين

الطبقة الثالثة: الأنبياء١ الذين لم يُرسَلوا إلى أُممهم، وإنَّما كانت لهم النبوة دون الرسالة، فاختُصُّوا عن الأمة بإيحاءِ اللَّه إليهم، وإرساله ملائكته إليهم، واختصَّت الرسلُ عنهم بإرسالهم إلى الأمة يدعونهم٢ إلى اللَّه بشريعته وأمره، واشتركوا في الوحي ونزول الملائكة عليهم.

الطبقة الرَّابعة: ورثة الرسل وخلفاؤهم في أممهم، وهم القائمون بما بُعثوا به علمًا وعملًا ودعوةً للخلق إلى اللَّه على طريقهم ومنهاجهم. وهذه أفضل مراتب الخلق بعد الرسالة والنبوة، وهي مرتبة الصدِّيقية.

ولهذا قرنهم اللَّه تعالى في كتابه بالأنبياء فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ٦٩﴾ [النساء/ ٦٩]، فجعل درجةَ الصدّيقية تلي٣ درجةَ النبوة. وهؤلاء هم الربَّانيون، وهم الراسخون في العلم، وهم الوسائط بين الرسول ﷺ وأمته. فهم خلفاؤه وأولياؤه وحزبُه وخاصَّتُه وحَمَلةُ دينه، وهم المضمون لهم أنَّهم لا يزالون على الحقِّ، لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم٤ حتَّى يأتي أمر اللَّه وهم على ذلك.

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد/ ١٩]. وقد٥ قيل: إنَّ الوقف على قوله: ﴿هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾٦ ثمَّ يبتدئ ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فيكون الكلام

  1. (١) "الأنبياء" ساقط من "ط".
  2. (٢) "ط": "بدعوتهم"، تصحيف.
  3. (٣) "ك، ط": "الصديقية معطوفة على درجة".
  4. (٤) "ف": "لا يضرّهم من خالفهم" فأسقط جزءًا من الكلام.
  5. (٥) "قد"ساقط من "ط".
  6. (٦) من قوله تعالى في الآية السابقة: "والشهداء عند ربهم. . . " إلى هنا ساقط من =
764

جملتين: أخبر في إحداهما عن المؤمنين باللَّه ورسله أنَّهم هم الصدِّيقون، والإيمان التامّ يستلزم العلمَ والعملَ والدعوةَ إلى اللَّه سبحانه بالتعليم والصبرَ عليه، وأخبر في الثانية أنّ الشهداءَ عند ربّهم، لهم أجرهم ونورهم١.

ومرتبة الصدّيقين فوق مرتبة الشهداءِ، ولهذا قدّمهم عليهم في الآيتين: هنا وفي سورة النساءِ. وهكذا جاءَ ذكرُهم مقدّمًا على الشهداءِ في كلام النبيّ ﷺ في قوله: "اثبُتْ أُحدُ، فإنّما عليك نبي وصدّيق وشهيدان"٢. ولهذا كان ندت الصدّيقية وصفًا لأفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين، وهو أبو بكر الصدّيق ﵁٣. ولو كان بعد النبوة درجة أفضل من الصدّيقية لكانت لقبًا٤ له ﵁.

وقيل٥: إنّ الكلام كلّه جملة واحدة، وأخبر عن المؤمنين بأنّهم هم الصدّيقون والشهداءُ عند ربّهم، وعلى هذا فالشهداءُ هم الذين يستشهدهم اللَّه على الناس يوم القيامة، وهو قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة/ ١٤٣] وهم المؤمنون. فوصَفَهم بأنَّهم صدِّيقون في الدنيا

  1. = "ف" لانتقال النظر.
  2. (١) هذا قول ابن عباس ومسروق والضحاك، وهو اختيار ابن جرير ﵀. انظر تفسيره (٢٧/ ٢٣٠).
  3. (٢) "ك، ط": "شهيد"، خطأ. والحديث أخرجه البخاري (٣٦٧٥) في فضائل الصحابة عن أنس بن مالك ﵁.
  4. (٣) "ط": ". . المرسلين أبي بكر الصديق".
  5. (٤) "ك، ط": "نعتًا".
  6. (٥) وهو مروي عن ابن مسعود ومجاهد. انظر: تفسير الطبري (٢٧/ ٢٣١).
765

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي