شهداءُ١ على الناس يوم القيامة، ويكون الشهداءُ وصفًا لجملة المؤمنين الصدِّيقين.
وقيل: الشهداءُ هم الذين قُتِلوا في سبيل اللَّه، وعلى هذا القول يترجَّح أن يكون الكلام جملتين، ويكون قولُه "والشهداء" مبتدأً خبره ما بعده؛ لأنَّه ليس كلُّ مؤمن صدِّيقٍ شهيدًا في سبيل اللَّه.
ويرجِّحه أيضًا أنَّه لو كان "الشهداء" داخلًا في جملة الخبر عن المؤمنين٢ لكان قوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾[الحديد/ ١٩] داخلًا أيضًا في جملة الخبر عنهم، ويكون قد أخبر عنهم بثلاثة أشياء: أحدها: أنَّهم هم الصدِّيقون، والثاني: أنَّهم الشهداء، والثالث: أنَّهم٣ لهم أجرهم ونورهم. وذلك يتضمَّن عطف الخبر الثاني على الأوَّل، ثمَّ ذِكرَ الخبر الثالث مجرَّدًا عن العطف. وهذا كما تقول: "زيد كريم وعالم له مال". والأحسن في هذا تناسبُ الأخبار بأنَّ تُجرِّدها كلَّها من العطف، أو تعطفها جميعًا، فتقول: "زيد كريم عالم له مال". أو "كريم وعالم وله مال". فتأمَّله.
ويرجِّحه أيضًا أنَّ الكلام يصير جملًا مستقلَّة قد ذكر فيها أصناف خلقه السعداء، وهم: الصدِّيقون، والشهداءُ، والصالحون وهم المذكورون في أوَّل الآية٤، وهم المتصدِّقون الذين أقرضوا اللَّه قرضًا حسنًا، فهؤلاء ثلاثة أصناف. ثمَّ ذكرَ الرسُلَ في قوله تعالى: ﴿لقَدْ أَرْسَلْنَا
(١) "ط": "وشهداء".
(٢) "عن المؤمنين" ساقط من "ك، ط".
(٣) "ك، ط": "أنهم هم الشهداء، والثالث أن".
(٤) "ك، ط": "في الآية".
رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد/ ٢٥] فتناول١ ذلك الأصناف الأربعة المذكورة في سورة النساء، فهؤلاء هم السعداء. ثمَّ ذكر الأشقياء وهم نوعان: كفار، ومنافقون؛ فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ١٩﴾[الحديد/ ١٩]. وذَكَر المنافقين٢ في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا﴾٣[الحديد/ ١٣].
فهؤلاء أصناف العالم كلّهم. وترك سبحانه ذكرَ المخلِّط صاحب الشائبتين على طريقة القرآن في ذكر السعداء والأشقياء دون المخلِّطين غالبًا لسرٍّ اقتضته حكمته سبحانه وتعالي. فليحذَرْ صاحب التخليط، فإنَّه لا ضمان له على اللَّه، ولا هو من أهل وعده المطلق. ولا ييأس من رَوح اللَّه، فإنَّه ليس من الكفار الذين قد٤ قطع لهم بالعذاب، ولكنَّه بين الجنَّة والنَّار، واقف بين الوعد والوعيد، كلٌّ منهما يدعوه الي موجبه لأنَّه أتي بسببه. وهذا هو الذي لحظه القائلون بالمنزلة بين المنزلتين، ولكن غلطوا في تخليده في النار. ولو نزّلوه منزلةً بين المنزلين، ووكلوه إلى المشيئة، وقالوا بأنَّه يخرج من النار بتوحيده وإيمانه، لأصابوا. ولكن "منزلةٌ بين منزلتين وصاحبُها٥ مخلَّدٌ في النَّار" ممَّا لا يقتضيه عقل ولا سمع، بل النصوص الصريحة المعلومة الصحَّة تشهد ببطلان قولهم، واللَّه أعلم.
(١) "ط": "فيتناول".
(٢) "ط": "المنافقون".
(٣) كذا في الأصل و"ف" ونقلت الآية في "ب، ك، ط" إلى "نقتبس من نوركم".