المتنافسون، وعليه يحسد الحاسدون! وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم.
وحقيق بمرتبةٍ هذا شأنُها أن تُنفَق نفائس الأنفاس عليها، ويستبق١ السابقون إليها، وتوفَّر٢ عليها الأوقات، وتتوجَّه نحوها الطلِبات. فنسأل اللَّه الذي بيده مفاتيح كلّ خير أن يفتح علينا خزائن رحمته، ويجعلنا من أهل هذه الصفة بمنِّه وكرمه.
وأصحاب هذه المرتبة يُدعَون عظماء في ملكوت السماءِ، كما قال بعض السلف: "مَن عَلِم وعمِل وعلَّم فذلك يُدعي عظيمًا في ملكوت السماء"٣. وهؤلاء هم العدول حقًّا بتعديل رسول اللَّه ﷺ لهم، إذ يقول فيما رُوي٤ عنه من وجوه يُسنِد٥ بعضها بعضًا: "يحمل هذا العلمَ من كلِّ خلَفٍ عدوله٦، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين"٧.
(١) "ط": "يسبق".
(٢) "ت": "تتوفر"، خلاف الأصل.
(٣) حكاه ثور بن يزيد وبشر الحافي من كلام المسيح ﵇. انظر: حلية الأولياء (٦/ ٩٧) و(٨/ ٣٨٠).
(٤) "ب، ك، ط": "يروي".
(٥) "ك، ط": "شدّ".
(٦) "ك، ط": "عدول".
(٧) أخرجه ابن عدي في الكامل (١/ ١٤٦ - ١٤٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٧/ ٣٨ - ٣٩) من حديث إبراهيم بن عبد الرحمن العذري عن النبيّ ﷺ. وهو حديث مرسل. وقد روي مرفوعًا ولا يثبت. وجاء الحديث عن جماعة من الصحابة ولا يثبت شيء منها. (ز).
وما أحسن ما قال فيهم الإمام أحمد في خطبة كتابه١ "الردّ على الجهمية": "الحمد للَّه الذي جعل في كلِّ زمانِ فترةٍ من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصّرون بنور اللَّه أهلَ العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيَوه٢، ومن ضالٍّ جاهلٍ قد هدَوه. فما أحسن أثرهم على النَّاس، وأقبح أثر الناس عليهم! ينفُون عن كتاب اللَّه تأويل الجاهلين، وتحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلِين"٣.
وذكر ابن وضَّاح هذا الكلام عن عمر بن الخطاب ﵁٤.
الطبقة الخامسة: أئمة العدل وولاته الذين تأمَنُ٥ بهم السبُل، ويستقيم بهم العالم، ويستنصر بهم الضعيف، ويذِلّ بهم الظالم، ويأمن بهم الخائف، وتُقام بهم الحدود، ويُدفع بهم الفساد، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقام بهم حكمُ الكتاب والسنَّة، وتُطفأ بهم نيران البدع والضلالة.
وهؤلاء هم٦ الذين تُنصَب لهم المنابر من النور عن يمين الرحمن ﷿ يوم القيامة فيكونون عليها. والولاةُ الظلَمة قد صهرهم حرُّ الشمس، وقد بلغ منهم العرَقُ مبلغه، وهم يحملون أثقال مظالمهم