وما أحسن ما قال فيهم الإمام أحمد في خطبة كتابه١ "الردّ على الجهمية": "الحمد للَّه الذي جعل في كلِّ زمانِ فترةٍ من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصّرون بنور اللَّه أهلَ العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيَوه٢، ومن ضالٍّ جاهلٍ قد هدَوه. فما أحسن أثرهم على النَّاس، وأقبح أثر الناس عليهم! ينفُون عن كتاب اللَّه تأويل الجاهلين، وتحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلِين"٣.
وذكر ابن وضَّاح هذا الكلام عن عمر بن الخطاب ﵁٤.
الطبقة الخامسة: أئمة العدل وولاته الذين تأمَنُ٥ بهم السبُل، ويستقيم بهم العالم، ويستنصر بهم الضعيف، ويذِلّ بهم الظالم، ويأمن بهم الخائف، وتُقام بهم الحدود، ويُدفع بهم الفساد، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقام بهم حكمُ الكتاب والسنَّة، وتُطفأ بهم نيران البدع والضلالة.
وهؤلاء هم٦ الذين تُنصَب لهم المنابر من النور عن يمين الرحمن ﷿ يوم القيامة فيكونون عليها. والولاةُ الظلَمة قد صهرهم حرُّ الشمس، وقد بلغ منهم العرَقُ مبلغه، وهم يحملون أثقال مظالمهم
(١) زاد بعده في "ك، ط": "في".
(٢) "ط": "أجبروه"، تحريف.
(٣) الردّ على الجهمية (٨٥).
(٤) البدع والنهي عنها (٣).
(٥) "ط": "تؤمن".
(٦) "هم" ساقط من "ط".
العظيمة على ظهورهم الضعيفة في يومٍ كان مقدارُه خمسين ألف سنةٍ، ثمَّ يُرى١ سبيل أحدهم إمَّا إلى الجنَّة وإمَّا إلى النَّار.
قال النبيّ ﷺ: "المقسطون عند اللَّه٢ على منابر من نور يوم القيامة عن يمين الرحمن ﵎، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما وَلُوا"٣.
وعنه ﷺ: "إنَّ أحبَّ الخلق إلى اللَّه وأقربَهم منزلةً منه٤ يوم القيامة إمامٌ عادل، وإنَّ أبغض الخلق إلى اللَّه وأبعدَهم منه منزلةً يوم القيامة إمامٌ جائر"٥ أو كما قال.
وهم أحد السبعة الأصناف الذين يظلّهم اللَّه في ظل عرشه يوم لا ظلَّ إلا ظلّه. وكما كان الناس في ظلّ عدلهم في الدنيا، كانوا هم٦ في ظل عرش الرحمن يوم القيامة ظلًّا بظلٍّ جزاءً وِفاقًا.
ولو لم يكن من فضلهم وشرفهم إلا أنَّ أهل السماوات والأرض والطيرَ في الهواءِ يصلّون عليهم ويستغفرون لهم ويدعون لهم، وولاة
(١) قراءة "ف": "ترى".
(٢) "عند اللَّه" ساقط من "ط".
(٣) أخرجه مسلم في الإمارة (١٨٢٧) عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄.
(٤) "ط": "منه منزلة".
(٥) أخرجه أحمد (١١٥٢٥)، والترمذي (١٣٢٩) والبيهقي في السنن (١٠/ ٨٨) وغيرهم. قال الترمذي: "حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه". قال السخاوي في تخريج أحاديث العادلين (١٢٧): "ومدار طرقه كلها على عطية العوفي، وهو ضعيف". وضعفه أيضًا العراقي، وحسّنه ابن القطان. انظر: نصب الراية (٤/ ٦٨). (ز).