الظلم يلعنهم مَن بين السماء١ والأرض حتَّى الدوابّ٢ والطير. كما أنَّ معلِّم الناسِ الخيرَ يصلّي عليه اللَّه وملائكته، وكاتمُ العلم والهدى الذي أنزله اللَّه وحاملُ أهله على كتمانه يلعنه اللَّه وملائكته ويلعنه اللاعنون.
فيا لها من منقبة ومرتبة ما أجلّها وأشرفها: أن يكون الوالي والإمام على فراشه، وغيرُه٣ يعمل بالخير، وتكتَب الحسناتُ في صحائفه! فهي متزايدة ما دام يعمل بعدله، ولساعة واحدة منه خير من عبادة أعوام من غيره! فأين هذا من صفة٤ الغاشّ لرعيته، الظالم لهم، الذي٥ قد حرَّم اللَّه عليه الجنَّة وأوجب له النار!
ويكفي في فضله وشرفه أنَّه يكفّ عن اللَّه دعوة المظلوم، كما في الآثار: "أيها الملِك المسلَّط المغرور، إنِّي لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لتكفّ عنِّي دعوةَ المظلوم، فإنِّي لا أحجبُها ولو كانت من كافر"٦. فأين من هو نائم، وأعينُ العباد ساهرةٌ تدعو اللَّه له؛ وآخرُ أعينُهم ساهرةٌ تدعو عليه؟
(١) "ك، ط": "السماوات".
(٢) "ف": "الذباب"، تحريف.
(٣) "غيره" ساقط من "ط".
(٤) "صفة" ساقط من "ط".
(٥) "الذي" ساقط من "ك، ط".
(٦) أخرجه ابن حبان (٣٦١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٢٢) من حديث أبي ذر مطولًا. وفيه إبراهيم بن هشام الغساني. قال أبو حاتم: كذاب. الجرح والتعديل (٢/ ١٤٣). وجاء من طرق أخرى عن أبي ذر مختصرًا، وكلها لا تثبت. راجع تحقيق المسند (٣٥/ ٤٣٢ - ٤٣٣)، والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (٢/ ٧٩ - ٨١). (ز).
الطبقة السادسة: المجاهدون في سبيل اللَّه، وهم جند اللَّه الذين يقيم بهم دينه١، ويدفع بهم بأس أعدائه، ويحفظ بهم بيضة الإسلام، ويحمي بهم حوزة الدين. وهم الذين يقاتلون أعداءَ اللَّه ليكون الدين كله للَّه، وتكون كلمة اللَّه هي العليا، قد بذلوا أنفسهم في محبَّةِ اللَّه ونصرِ دينه وإعلاء كلمته ودفع أعدائه. وهم شركاءُ لكل من يحمونه بسيوفهم، في أعمالهم التي يعلَمونها، وإن تناءتْ ديارهم٢، ولهم مثل أجور مَن عَبَد اللَّه٣ بسبب جهادهم وفتوحهم، فإنَّهم كانوا هم السبب فيه. والشارع قد نزَّل المتسبّبَ منزلةَ الفاعل التامّ في الأجر والوزر، ولهذا كان الداعي إلى الهدى والداعي إلى الضلال لكلّ منهما بتسبّبه مثلُ أجر من اتَّبعه٤.
وقد تظافرت٥ آيات الكتاب وتواترت نصوص السنَّة على الترغيب في الجهاد، والحضِّ عليه، ومدحِ أهله، والإخبار عمَّا لهم عند ربِّهم من أنواع الكرامات والعطايا الجزيلات. ويكفي في ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَي تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ١٠﴾[الصف/ ١٠] فتشوفت٦ النفوس إلى هذه التجارة الرابحة التي الدالُّ عليها ربُّ العالمين العليم الحكيم، فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾. فكأنَّ النفوس ضنَّت بحياتها وبقائها، فقال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
(١) "ف": "يقيم بهم اللَّه دينه"، خلاف الأصل.
(٢) "ط": "باتوا في ديارهم"، تحريف.
(٣) "ب": "أجورهم من عند اللَّه"، تحريف.
(٤) "ك، ط": "تبعه".
(٥) "ك، ط": "تظاهرت".
(٦) ضبطت في الأصل بالفاء، وكذا في "ب". وفي "ف، ك، ط": "فتشوّقت" بالقاف.