طريق الهجرتين

هذا فما وجه استثناء أولي الضرر من القاعدين، وهم لا يستوون هم١ والمجاهدون أصلًا؟ فيكون حكم المستثنى والمستثنى منه واحدًا. فهذا وجه الإشكال، ونحن نذكر ما قاله هؤلاء في الآية، ثمَّ نذكر٢ ما يزيل الإشكال بحمد اللَّه.

فاختلف القرَّاء في إعراب "غير"، فقرئ رفعًا ونصبًا، وهما في السبعة٣. وقرئ بالجرّ في غير السبعة، وهي قراءة أبي حيوة٤.

فأمَّا قراءة النصب فعلى الاستثناء؛ لأنّ "غيرًا" تعرب في الاستثناء إعرابَ الاسم الواقع بعد إلا، وهو النصب هنا٥، هذا هو الصحيح. وقالت طائفة: إعرابها نصب على الحال، أي: لا يستوي القاعدون غيرَ مضرورين، أي: لا يستوون في حال صحَّتهم هم والمجاهدون٦.

  1. = بدرجات إن كانوا هم القاعدين الذين فضل عليهم أولو الضرر فيكون. . . ".
  2. (١) "هم" ساقط من "ك، ط".
  3. (٢) "ما قاله هؤلاء. . . " إلى هنا ساقط من "ط".
  4. (٣) قرأ نافع وابن عامر والكسائي بالنصب. والباقون بالرفع. انظر: الاقناع (٦٣١).
  5. (٤) إعراب القرآن للنحاس (١/ ٤٨٣). وأبو حيوة: شريح بن يزيد الحضرمي الحمصي المؤذن المقرئ. توفي سنة ٢٠٣ هـ. تهذيب التهذيب (٤/ ٣٣١). وقال الزجاج: "والجرّ وجه جيّد إلّا أنّ أهل الأمصار لم يقرأوا به وإن كان وجهًا، لأنّ القراءة سنة متبعة". معاني القرآن (٩٣/ ٢). وذكر ابن عطية أنها قراءة الأعمش أيضًا. المحرّر الوجيز (٢/ ٩٧).
  6. (٥) "هنا" ساقط من "ط". والنصب على الاستثناء قول الأخفش. انظر: معاني القرآن له (١/ ٢٤٥).
  7. (٦) انظر: معاني الفرّاء (١/ ٢٨٣)، ومعاني الزجّاج (٢/ ٩٣)، وقد ذكرا جواز الوجهين.
778

والاستثناء أصحّ، فإنَّ "غيرًا"١ لا تكاد تقع حالًا في كلامهم إلا مضافةً إلى نكرة، كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾ [البقرة/ ١٧٣]، الأنعام/ ١٤٥، النحل/ ١١٥]، وقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة/ ١]، وقوله ﷺ: "مرحبًا بالوفد غيرَ خزايا ولا ندامى"٢. فإن أضيفت إلى معرفة كانت تابعةً لما قبلها، كقوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة/ ٧]. ولو قلت: "مرحبًا بالوفد غيرِ الخزايا ولا الندامى". لجررتَ "غيرًا"٣. هذا هو المعروف من كلامهم. والكلام في عدم تعرّف "غير" بالإضافة وحسنِ وقوعها إذ ذاك حالًا، له مقام آخر.

وأمَّا الرفع فعلى النعت للقاعدين، هذا هو الصحيح. وقال أبو إسحاق وغيره: هو خبر مبتدأ محذوف، تقديرُه: الذين هم غير أولي الضرر٤. والذي حمله على هذا ظنُّه أنَّ غيرًا لا تقبل التعريف بالإضافة، فلا تجري صفةً للمعرفة. وليس مع من ادَّعى ذلك حجَّةٌ يعتمد عليها سوى قولهم٥: إنَّ غيرًا توغَّلت في الإبهام فلا تتعرَّف بما تضاف إليه. وجواب هذا: أنَّها إذا دخلت بين متقابلين لم يكن فيها إبهام

  1. (١) "ط": "غير".
  2. (٢) من حديث ابن عباس ﵄، أخرجه البخاري في كتاب الايمان (٥٣) وغيره. ومسلم في الايمان (١٧).
  3. (٣) "ط": "غير".
  4. (٤) لا أدري من أين نقل المؤلف قول أبي إسحاق هذا، فإنه لم يذهب إليه في كتابه، بل أعرب على النعت، وفسّر معنى الآية هذا التفسير، وهذا أحد الوجهين عنده في الرفع والوجه الثاني هو الاستثناء. انظر: معاني القرآن له (٢/ ٩٢).
  5. (٥) "قولهم" ساقط من "ط".
779

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي