وأمَّا قراءَة الجرّ ففيها وجهان أيضًا، أحدهما -وهو الصحيح- أنَّه نعت للمؤمنين. والثاني -وهو قول المبرّد- أنَّه بدل منه، بناءً على أنَّه نكرة فلا تُنعت به المعرفة٢.
وعلى الأقوال كلّها فهو مُفهِم٣ معني الاستثناءِ، وأنَّ نفيَ التسوية غيرُ مسلَّط على ما أضيف إليه "غير"٤. وقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾٥ هو مبيّن لمعني نفي المساواة. قالوا: والمعنى فضَّل اللَّه المجاهدين على القاعدين٦ من أولي الضرر درجةً واحدةً لامتيازه عنه٧ بالجهاد بنفسه وماله. ثمَّ أخبر سبحانه أنَّ الفريقين كليهما موعود بالحسنى فقال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ أي: المجاهد والقاعد المضرور، لاشتراكهم٨ في الإيمان.
(١) انظر: بدائع الفوائد (٤٣٢).
(٢) "البدليّةِ" أحد الوجوه التي ذكرها المبرّد في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾[الفاتحة/ ٧]. وذكر منها أيضًا أنها نعت "للذين، لأنّها مضافة إلى معرفة" المقتضب (٤/ ٤٢٣). هذا مع قوله في ص (٢٨٨) بأن غيرًا لا تتعرّف بالإضافة. وانظر في الردّ على كون "غير" بدلًا: بدائع الفوائد (٤٢٩).
(٣) "ط": "مفهوم"، تحريف.
(٤) "ط": "غيره"، خطأ.
(٥) "بأموالهم وأنفسهم" ساقط من الأصل وغيره.
(٦) كذا في الأصل وغيره. وفي "ط": "المجاهد على القاعد". غيّره لأجل الضمائر الآتية المفردة.
(٧) أي: لامتياز الفريق الأول عن الفريق الثاني.
(٨) كذا في الأصل وغيره. وفي "ط": "لاشتراكهما".
قالوا: وفي هذا دليل على تفضيل الغنيّ المنفِق على الفقير، لأنَّ اللَّه سبحانه أخبر أنَّ المجاهد بماله ونفسه أفضل من القاعد، وقدَّم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس. وأمَّا الفقير فنفى عنه الحرَجَ بقوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾[التوبة/ ٩٢] فأين مقام من حَكمَ له بالتفضيل إلى مقام من نفى عنه الحرَج!
قالوا: فهذا حكم القاعد من أولي الضرر والمجاهد. وأمَّا القاعد من غير أولي الضرر فقال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ٩٥ دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾[النساء/ ٩٥ - ٩٦].
وقوله ﴿دَرَجَاتٍ﴾ قيل: هو نصب على البدل من قوله ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾١ وقيل: تأكيد له وإن كان بغير لفظه؛ لأنَّه هو في المعنى٢. قال قتادة: كان يقال: الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة٣.
وقال ابن زيد: الدرجات التي فُضِّل بها المجاهدُ على القاعد سبع، وهي التي ذكرها اللَّه تعالى في براءة إذ يقول سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فهذه خمس. ثمَّ قال ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾[التوبة/ ١٢٠ - ١٢١]،
(١) من قوله تعالى: ﴿وَكاَنَ اللَّهُ غَفُورا رًحِيمًا﴾ إلى هنا سقط من "ف".