طريق الهجرتين

معذور من أهل الجهاد غلَبَه عذرُه وأقعده عنه، ونيته جازمةٌ لم يتخلّف عنها مقدورُها، وإنَّما أقعده العجزُ، فهذا الذي تقتضيه أدلَّة الشرع أنَّ له مثل أجر المجاهد. وهذا القسم لا يتناوله الحكم بنفي التسوية، وهذا لأنَّ قاعدة الشريعة: أنَّ العزم التامّ إذا اقترن به ما يمكن من القول١ أو مقدّمات الفعل نزِّل صاحبُه في الثواب والعقاب منزلةَ الفاعل التامّ، كما دلَّ عليه قوله ﷺ: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار" قالوا: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنَّه كان حريصًا على قتل صاحبه"٢.

وفي الترمذي ومسند الإمام أحمد من حديث أبي كبشة الأنماري عن النبيّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّما الدنيا لأربعة نفر: عبدٌ رزقه اللَّه مالًا وعلمًا، فهو يتّقي في ماله ربّه، ويصِلُ به رحمه، ويعلم للَّه فيه حقًّا؛ فهذا بأحسن المنازل عند اللَّه٣. وعبدٌ رزقه اللَّه علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو يقول: لو أنَّ لي مالًا لعملتُ فيه بعمل فلان؛ فهو بنيّته، وهما في الأجر سواءٌ، وعبدٌ رزقه اللَّه مالًا ولم يرزقه علمًا، فهو لا يتّقي في ماله ربّه، ولا يصل به رحمه، ولا يعلم للَّه فيه حقًّا؛ فهذا بأسوأ المنازل عند اللَّه. وعبدٌ لم يرزقه اللَّه مالًا ولا علمًا فهو يقول: لو أنَّ لي مالًا لعملتُ بعمل فلان، فهو بنيّته، وهما في الوزر سواء"٤. فأخبر - صلي اللَّه عليه وسلم - أنَّ وزر الفاعل والناوي

  1. (١) "ط": "الفعل".
  2. (٢) أخرجه البخاري في الإيمان (٣١) وغيره، ومسلم في الفتن (٢٨٨٨) عن أبي بكرة ﵁.
  3. (٣) "عند اللَّه" ساقط من "ب، ك، ط".
  4. (٤) أخرجه أحمد (١٨٠٣١)، والترمذي (٢٣٢٥) وقال: "هذا حديث حسن صحيح". وانظر: تحقيق المسند (٢٩/ ٥٦٢ - ٥٦٣). (ز).
784

الذي ليس مقدوره إلا بقوله دون فعله سواءٌ؛ لأنَّه أتي بالنية ومقدوره التامّ. وكذلك أجر الفاعل والناوي الذي اقترن قوله بنيته١. وكذلك المقتول الذي سلَّ السيفَ، وإرادتُه٢ قتلُ أخيه المسلم، فقُتِل، نُزِّل منزلةَ القاتل لنيّته التامَّة التي اقترن بها مقدورُها من السعي والحركة.

ومثل هذا قوله ﷺ: "من دلَّ على خير فله مثلُ أجر فاعله"٣ فإنَّه بدلالته ونيّته نزل منزلة الفاعل. ومثله من دعا إلى هدًى فله مثلُ أجور من اتَّبعه، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثلُ آثام من اتَّبعه٤؛ لأجل نيَّته واقتران مقدورها بها من الدعوة.

ومثله إذا جاء المصلِّي إلى المسجد ليصلِّي جماعةً، فأدركهم وقد صلَّوا، فصلَّى وحده، كُتِبَ له مثلُ أجر صلاة الجماعة بنيّته وسعيه، كما قد جاءَ مصرَّحًا به في حديث مروي٥.

ومثل هذا مَن كان له وردٌ يصليه من الليل فنام، ومن نيَّته أن يقوم إليه فغلبه عنه٦ نومٌ، كُتِبَ له أجرُ وردِه، وكان نومُه عليه صدقةً٧.

  1. (١) بعدها في "ك، ط": "وكذلك المقتول الذي اقترن قوله بنيته" خلط وتكرار.
  2. (٢) هذه قراءة "ف، ب". وفي "ك، ط": "أراد به"، والأصل غير منقوط.
  3. (٣) أخرجه مسلم في الإمارة (١٨٩٣) عن أبي مسعود الأنصاري ﵁.
  4. (٤) كما في حديث أبي هريرة ﵁ الذي سيأتي في ص (٨٩٩).
  5. (٥) أخرجه أحمد (٨٩٤٧)، وأبو داود (٥٦٤)، والنسائي (٢/ ١١١)، والحاكم (١/ ٣٢٧) (٧٥٤) من حديث أبي هريرة، والحديث صححه الحاكم، ولم يتعقبه الذهبي. (ز).
  6. (٦) "ك، ط": "فغلب عينه".
  7. (٧) نص الحديث في صحيح مسلم (٧٤٧) عن عمر بن الخطاب ﵁.
785

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي