ومثله المريض والمسافر إذا كان له عمل يعمله، فشغل عنه بالمرض والسفر، كتب له مثلُ يمله وهو صحيح مقيم١. ومثله: "من سأل اللَّه الشهادة بصدقٍ بلَّغه اللَّه منازلَ الشهداء، ولو مات على فراشه"٢. ونظائر ذلك كثيرة.
والقسم الثاني معذور ليس من نيته الجهاد، ولا هو عازمٌ عليه عزمًا تامًّا. فهذا لا يستوي هو والمجاهد في سبيل اللَّه، بل قد فضّل اللَّه المجاهد٣ عليه وإن كان معذورًا، لأنَّه٤ لا نية له تُلحِقه بالفاعل التامّ، كنية أصحاب القسم الأوَّل. وقد قال النبيّ ﷺ في حديث عثمان بن مظعون٥: "إنَّ اللَّه قد أوقع أجرَه على قدر نيّته"٦.
فلمَّا كان القسم المعذور فيه هذا التفصيل لم يجز أن يساوي بالمجاهد مطلقًا، ولا ينفي عنه المساواة مطلقًا. ودلالةُ المفهوم لا عمومَ لها، فإنَّ العموم إنَّما هو من أحكام الصيغ العامة وعوارض
(١) نص الحديث في صحيح البخاري (٢٩٩٦) عن أبي موسي الأشعري ﵁.
(٢) أخرجه مسلم في الإمارة (١٩٠٩) عن سهل بن حنيف ﵁.
(٣) "ك، ط": "المجاهدين".
(٤) "لأنه" سقط من "ف".
(٥) كذا وقع في الأصل وغيره، وهو سهو، فإنها قصة عبد اللَّه بن ثابت الأنصاري ﵁. انظر: المصادر المذكورة في الحاشية الآتية.
(٦) أخرجه مالك برواية الليثي (٩٣٥ - ٩٩٦)، وأبو داود (٣١١١)، والنسائي (٤/ ١٣ - ١٤) وأحمد (٢٣٧٥٣)، وابن حبان (٣١٨٩)، والحاكم (١/ ٥٠٣) (١٣٠٠)، من حديث جابر بن عتيك. والحديث صححه ابن حبان والحاكم ولم يتعقبه الذهبي. (ز).
الألفاظ. والدليلُ الموجِب للقول بالمفهوم لا يدلّ على أنَّ له عمومًا يجب اعتباره، فإنَّ أدلَّة المفهوم ترجع إلى شيئين: أحدهما التخصيص، والآخر التعليل.
فأمَّا التخصيص فهو أنَّ تخصيص الحكم بالمذكور يقتضي نفيَ الحكم عمَّا عداه وإلا بطلت فائدة التخصيص. وهذا لا يقتضي العمومَ وسلبَ حكمِ المنطوق عن جميع صور المفهوم، لأنَّ فائدة التخصيص قد تحصل بانقسام صور المفهوم إلى ما يسلب الحكمَ عن بعضها، ويثبته لبعضها، وبثبوت تفصيل١ فيه فيثبت له حكم المنطوق على وجه دون وجه، إمَّا بشرط لا تجب مراعاته في المنطوق، وإمَّا في وقت دون وقت. بخلاف حكم المنطوق فإنَّه ثابت أبدًا؛ ونحو ذلك من فوائد التخصيص. وإذا كانت فائدة التخصيص حاصلة بالتفصيل والانقسام، فدعوى لزوم العموم من التخصيص دعوى باطلة، فإثباته مجرد التحكم.
وأمَّا التعليل فإنَّهم قالوا: ترتيب الحكم على هذا الوصف المناسب له يقتضي نفيَ الحكم عمَّا عداه، وإلا لم يكن الوصف المذكور علَّة. وهذا أيضًا لا يستلزم عموم النفي عن كلِّ ما عداه، وإنَّما غايته اقتضاؤه نفيَ الحكم المترتّب٢ على ذلك الوصف عن الصور المنتفي٣ عنها الوصفُ. وأمَّا نفيُ الحكم جملةً فلا، لجواز٤ ثبوته بوصف آخر وعلَّة