طريق الهجرتين

الألفاظ. والدليلُ الموجِب للقول بالمفهوم لا يدلّ على أنَّ له عمومًا يجب اعتباره، فإنَّ أدلَّة المفهوم ترجع إلى شيئين: أحدهما التخصيص، والآخر التعليل.

فأمَّا التخصيص فهو أنَّ تخصيص الحكم بالمذكور يقتضي نفيَ الحكم عمَّا عداه وإلا بطلت فائدة التخصيص. وهذا لا يقتضي العمومَ وسلبَ حكمِ المنطوق عن جميع صور المفهوم، لأنَّ فائدة التخصيص قد تحصل بانقسام صور المفهوم إلى ما يسلب الحكمَ عن بعضها، ويثبته لبعضها، وبثبوت تفصيل١ فيه فيثبت له حكم المنطوق على وجه دون وجه، إمَّا بشرط لا تجب مراعاته في المنطوق، وإمَّا في وقت دون وقت. بخلاف حكم المنطوق فإنَّه ثابت أبدًا؛ ونحو ذلك من فوائد التخصيص. وإذا كانت فائدة التخصيص حاصلة بالتفصيل والانقسام، فدعوى لزوم العموم من التخصيص دعوى باطلة، فإثباته مجرد التحكم.

وأمَّا التعليل فإنَّهم قالوا: ترتيب الحكم على هذا الوصف المناسب له يقتضي نفيَ الحكم عمَّا عداه، وإلا لم يكن الوصف المذكور علَّة. وهذا أيضًا لا يستلزم عموم النفي عن كلِّ ما عداه، وإنَّما غايته اقتضاؤه نفيَ الحكم المترتّب٢ على ذلك الوصف عن الصور المنتفي٣ عنها الوصفُ. وأمَّا نفيُ الحكم جملةً فلا، لجواز٤ ثبوته بوصف آخر وعلَّة

  1. (١) "ف": "وبثبوت يفصل". "ب": "وثبوت تفضيل". "ك، ط": "ثبوت تفصيل" بحذف الواو.
  2. (٢) "ك، ط": "المرتب".
  3. (٣) "ك، ط": "المنفي".
  4. (٤) "ب، ك، ط": "فلا يجوز"، تحريف جعل الكلام لا معني له.
787

أخرى، فإنَّ الحكم الواحد بالنوع يجوز تعليله بعلل مختلفة. وفي الواحد بالعين كلام ليس هذا موضعه. ومثال هذا ما نحن فيه فإنَّ١ قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ [النساء/ ٩٥] لا يدلّ على مساواة المضرورين للمجاهدين٢ مطلقًا من حيث الضرورة، بل إن ثبتت المساواة فإنَّها معلَّلة بوصف آخر، وهي النية الجازمة والعزم التامّ؛ والضرر المانع من الجهاد في تلك٣ الحال لا يكون مانعًا من المساواة في الأجر، واللَّه أعلم.

والمقصود الكلام على طبقات الناس في الآخرة. وأمَّا النصوص والأدلّة الدّالّة على فضل الجهاد وأهله، فأكثر من أن تُذكرَ هنا. ولعلَّها٤ أن تفرد في كتاب على هذا النمط إن شاء اللَّه.

فهذه الدرجات الثلاث هي درجات السبق، أعني درجة العلم والعدل والجهاد. وبها سبق الصحابة ﵃، وأدركوا مَن قبلهم، وفاتوا مَن بعدهم، واستولوا على الأمد البعيد، وحازوا قصَبات العلى. وهم٥ كانوا السبب في بلوغ٦ الإسلام إلينا وفي تعليم كلّ خير وهدى وسبب تُنال به السعادة والنجاة. وهم أعدل الأمّة فيما وَلُوه، وأعظمُها جهادًا في سبيل اللَّه. والأمة في آثار علمهم وعدلهم وجهادهم إلى يوم القيامة،

  1. (١) "ط": "لأن".
  2. (٢) "ك، ط": "المجاهدين".
  3. (٣) "ط": "ذلك".
  4. (٤) كتب في الأصل أولًا بعد "ولعلها": "تزيد على المأتين"، ثم ضرب عليها.
  5. (٥) أسقطها ناسخ "ف" لظنّه أنّها مضروب عليها، وذلك محتمل.
  6. (٦) "ك، ط": "وصول".
788

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي