طريق الهجرتين

أخرى، فإنَّ الحكم الواحد بالنوع يجوز تعليله بعلل مختلفة. وفي الواحد بالعين كلام ليس هذا موضعه. ومثال هذا ما نحن فيه فإنَّ١ قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ [النساء/ ٩٥] لا يدلّ على مساواة المضرورين للمجاهدين٢ مطلقًا من حيث الضرورة، بل إن ثبتت المساواة فإنَّها معلَّلة بوصف آخر، وهي النية الجازمة والعزم التامّ؛ والضرر المانع من الجهاد في تلك٣ الحال لا يكون مانعًا من المساواة في الأجر، واللَّه أعلم.

والمقصود الكلام على طبقات الناس في الآخرة. وأمَّا النصوص والأدلّة الدّالّة على فضل الجهاد وأهله، فأكثر من أن تُذكرَ هنا. ولعلَّها٤ أن تفرد في كتاب على هذا النمط إن شاء اللَّه.

فهذه الدرجات الثلاث هي درجات السبق، أعني درجة العلم والعدل والجهاد. وبها سبق الصحابة ﵃، وأدركوا مَن قبلهم، وفاتوا مَن بعدهم، واستولوا على الأمد البعيد، وحازوا قصَبات العلى. وهم٥ كانوا السبب في بلوغ٦ الإسلام إلينا وفي تعليم كلّ خير وهدى وسبب تُنال به السعادة والنجاة. وهم أعدل الأمّة فيما وَلُوه، وأعظمُها جهادًا في سبيل اللَّه. والأمة في آثار علمهم وعدلهم وجهادهم إلى يوم القيامة،

  1. (١) "ط": "لأن".
  2. (٢) "ك، ط": "المجاهدين".
  3. (٣) "ط": "ذلك".
  4. (٤) كتب في الأصل أولًا بعد "ولعلها": "تزيد على المأتين"، ثم ضرب عليها.
  5. (٥) أسقطها ناسخ "ف" لظنّه أنّها مضروب عليها، وذلك محتمل.
  6. (٦) "ك، ط": "وصول".
788

فلا ينال أحد منهم مسألةَ علمٍ نافعٍ إلا على أيديهم ومن طريقهم ينالها، ولا يسكن بقعةً من الأرضِ آمنًا إلا بسبب جهادهم وفتوحهم، ولا يحكم إمام ولا حاكم بعدل وهدًى إلا كانوا هم السبب في وصوله١ إليه. فهم الذين فتحوا البلاد بالسيف، والقلوب بالإيمان، وعمروا البلاد بالعدل، والقلوب بالعلم والهدي؛ فلهم من الأجر بقدر أجور الأمة إلى يوم القيامة مضافًا إلى أجر أعمالهم التي اختصُّوا بها، فسبحان من يختص بفضله ورحمته من يشاء. وإنَّما نالوا هذا بالعلم، والجهاد، والحكم بالعدل؛ وهذه مراتب السبق التي يهبها اللَّه لمن يشاء من عباده.

الطبقة السابعة: أهل الإيثار والصدقة والإحسان إلى النَّاس بأموالهم على اختلاف حاجاتهم ومصالحهم، من تفريج كرباتهم، ودفع ضروراتهم، وكفايتهم في مهمَّاتهم. وهم أحد الصنفين اللذين قال النبيّ ﷺ فيهم: "لا حسد إلا في اثنتين٢: رجلٌ آتاه اللَّه الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها الناس، ورجلٌ آتاهُ اللَّه مالًا وسلَّطه على هَلَكتِه في الحقِّ"٣. يعني أنَّه لا ينبغي لأحد أن يغبط أحدًا على نعمة ويتمنَّى مثلها إلا أحد هذين. وذلك لما فيهما من النفع العام٤ والإحسان المتعدِّي إلى الخلق: فهذا ينفعهم بعلمه٥، وهذا ينفعهم بماله. "والخلق كلّهم

  1. (١) "ك، ط": "وصولهم".
  2. (٢) "ك، ط": "اثنين".
  3. (٣) أخرجه البخاري في العلم (٧٣) وغيره، ومسلم في صلاة المسافرين (٨١٦) عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
  4. (٤) "ك، ط": "منافع النفع العام".
  5. (٥) "ف": "بفعله"، تحريف.
789

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي