طريق الهجرتين

وذلك لتفاوت أحوال الإنفاق في نفسه، وفي صفات المنفِق وأحواله، وفي١ شدَّة الحاجة وعظم النفع٢ وحسن الموقع. وقيل: واللَّه يضاعف لمن يشاء فوق ذلك، فلا يقتصر به على السبعمائة، بل يجاوز في المضاعفة هذا المقدار إلى أضعاف كثيرة٣.

واختلف في تقدير٤ الآية فقيل: مثل نفقة الذين ينفقون في سبيل اللَّه كمثل حبَّة. وقيل: مثل الذين ينفقون في سبيل [اللَّه]٥ كمثل باذر حبَّه، ليطابق الممثَّلُ الممثَّلَ به٦. فهنا أربعة أمور: منفِق، ونفقة، وباذر، وبَذْر، فذكر سبحانه من كلِّ شقٍّ أهمَّ قسميه، فذكر من شقّ الممثّل المنفِق، إذ المقصود ذكر حاله وشأنه؛ وسكت عن ذكر النفقة لدلالة اللفظ عليها. وذكر من شقّ الممثَّل به البَذْرَ إذ هو المحلّ الذي حصلت فيه المضاعفة، وترك ذكر الباذر لأنَّ الغرض٧ لا يتعلَّق بذكره. فتأمَّل هذه البلاغة والفصاحة والإيجاز المتضمّن لغاية البيان. وهذا كثير في أمثال القرآن، بل عامتها ترد على هذا النمط.

ثمَّ ختم الآية باسمين من أسمائه الحسنى مطابقَين لسياقها، وهما "الواسع العليم". فلا يستبعدْ العبد هذه المضاعفة، ولا يضِق٨ عنها

  1. (١) "ط": "ولصفات المنفق وأحواله في. . . "، خطأ.
  2. (٢) "ف، ك، ط": "عظيم النفع".
  3. (٣) انظر: تفسير الطبري (٥/ ٥١٥)، والكشاف (١/ ٣١١).
  4. (٤) "ط": "تفسير"، خطأ.
  5. (٥) سقط لفظ الجلالة من الأصل سهوًا.
  6. (٦) هذه قراءة "ف"، وفي "ب، ك، ط": "للممثّل به".
  7. (٧) "ك، ط": "القرض"، تصحيف.
  8. (٨) "ف، ك، ط": "يضيق"، قراءة محتملة.
793

عَطَنُه، فإنَّ المضاعِف سبحانه واسع العطاء، واسع الغني، واسع الفضل. ومع ذلك فلا يظنَّ أنَّ سعة عطائه تقتضي حصولها لكلِّ منفِق، فإنَّه عليم بمن تصلح له هذه المضاعفة وهو أهل لها، ومن لا يستحقّها ولا هو أهل لها؛ فإنَّ كرمه -سبحانه- وفضله لا يناقض حكمتَه، بل يضع فضله مواضعه بسعته١ ورحمته، ويمنعه من ليس من أهله بحكمته وعلمه.

ثمَّ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٢٦٢﴾ [البقرة/ ٢٦٢].

هذا بيان للقرض الحسن ما هو؟ وهو أن يكون في سبيله، أي: في مرضاته والطريق الموصلة إليه، ومن أهمّها٢ سبيل الجهاد. فـ "سبيل اللَّه"٣ خاصّ وعامّ، والخاصّ جزءٌ من السبيل٤ العامّ. وأن لا يتبع صدقتَه بمن ولا أذى، فالمنّ نوعان:

أحدهما: مَنٌّ بقلبه من غير أن يصرّح به بلسانه. وهذا وإن لم يُبطل الصدقة فهو يمنعه شهودَ٥ منَّة اللَّه عليه في إعطائه المال وحرمان غيره، وتوفيقه للبذل ومنع غيره منه؛ فللّه المنَّة عليه من كلِّ وجه، فكيف يشهد قلبُه منَّةً لغيره؟

  1. (١) "ك، ط": "لسعته".
  2. (٢) "ط": "أنفعها"، تحريف.
  3. (٣) "ط": "وسبيل اللَّه".
  4. (٤) "السبيل" سقط من "ف" سهوًا.
  5. (٥) "ك": "فهو من نقصان شهود". وكذا في "ط". وفيها: "وهذا إن لم يبطل. . . "!
794

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي