عَطَنُه، فإنَّ المضاعِف سبحانه واسع العطاء، واسع الغني، واسع الفضل. ومع ذلك فلا يظنَّ أنَّ سعة عطائه تقتضي حصولها لكلِّ منفِق، فإنَّه عليم بمن تصلح له هذه المضاعفة وهو أهل لها، ومن لا يستحقّها ولا هو أهل لها؛ فإنَّ كرمه -سبحانه- وفضله لا يناقض حكمتَه، بل يضع فضله مواضعه بسعته١ ورحمته، ويمنعه من ليس من أهله بحكمته وعلمه.
هذا بيان للقرض الحسن ما هو؟ وهو أن يكون في سبيله، أي: في مرضاته والطريق الموصلة إليه، ومن أهمّها٢ سبيل الجهاد. فـ "سبيل اللَّه"٣ خاصّ وعامّ، والخاصّ جزءٌ من السبيل٤ العامّ. وأن لا يتبع صدقتَه بمن ولا أذى، فالمنّ نوعان:
أحدهما: مَنٌّ بقلبه من غير أن يصرّح به بلسانه. وهذا وإن لم يُبطل الصدقة فهو يمنعه شهودَ٥ منَّة اللَّه عليه في إعطائه المال وحرمان غيره، وتوفيقه للبذل ومنع غيره منه؛ فللّه المنَّة عليه من كلِّ وجه، فكيف يشهد قلبُه منَّةً لغيره؟
(١) "ك، ط": "لسعته".
(٢) "ط": "أنفعها"، تحريف.
(٣) "ط": "وسبيل اللَّه".
(٤) "السبيل" سقط من "ف" سهوًا.
(٥) "ك": "فهو من نقصان شهود". وكذا في "ط". وفيها: "وهذا إن لم يبطل. . . "!
والنوع الثاني: أن يمنّ عليه بلسانه، فيعتدَّ١ على من أحسن إليه بإحسانه، ويُريَه أنَّه اصطنعه وأنَّه أوجب عليه حقًّا، وطوَّقه٢ منَّةً في عنقه، ويقول٣: أما أعطيتُك كذا وكذا؟ ويعدّ٤ أياديه عنده. قال سفيان: يقول: أعطيتك وأعطيتك٥، فما شكرتَ! وقال عبد الرحمن بن زيد٦: كان أبي يقول: إذا أعطيتَ رجلًا شيئًا، ورأيتَ أنَّ سلامك يثقل عليه، فكُفَّ سلامَك عنه. وكانوا يقولون: إذا صنعتم٧ صنيعةً فانْسَوها، وإذا أُسدِي٨ إليكم صنيعةٌ فلا تنسَوها. وفي ذلك قيل:
(٥) "وأعطيتك" ساقطة من "ك"، ولعل ناسخها ظنّها مكررة. وكذا في "ط". وفي "ب" وردت ثلاث مرات، وفي الثالثة كتب ناسخها علامة "صح". وانظر قول سفيان في تفسير البغوي (١/ ٣٢٦).
(٦) "ك، ط": "زياد"، تحريف. وهو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وانظر قول أبيه هذا في: تفسير الطبري (٥/ ٥١٨)، والمحرر الوجيز (١/ ٣٥٦).
(٧) "ط": "اصطنعتم". وانظر جزءًا من هذا القول في: الكشاف (١/ ٣١٠).