والنوع الثاني: أن يمنّ عليه بلسانه، فيعتدَّ١ على من أحسن إليه بإحسانه، ويُريَه أنَّه اصطنعه وأنَّه أوجب عليه حقًّا، وطوَّقه٢ منَّةً في عنقه، ويقول٣: أما أعطيتُك كذا وكذا؟ ويعدّ٤ أياديه عنده. قال سفيان: يقول: أعطيتك وأعطيتك٥، فما شكرتَ! وقال عبد الرحمن بن زيد٦: كان أبي يقول: إذا أعطيتَ رجلًا شيئًا، ورأيتَ أنَّ سلامك يثقل عليه، فكُفَّ سلامَك عنه. وكانوا يقولون: إذا صنعتم٧ صنيعةً فانْسَوها، وإذا أُسدِي٨ إليكم صنيعةٌ فلا تنسَوها. وفي ذلك قيل:
(٥) "وأعطيتك" ساقطة من "ك"، ولعل ناسخها ظنّها مكررة. وكذا في "ط". وفي "ب" وردت ثلاث مرات، وفي الثالثة كتب ناسخها علامة "صح". وانظر قول سفيان في تفسير البغوي (١/ ٣٢٦).
(٦) "ك، ط": "زياد"، تحريف. وهو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وانظر قول أبيه هذا في: تفسير الطبري (٥/ ٥١٨)، والمحرر الوجيز (١/ ٣٥٦).
(٧) "ط": "اصطنعتم". وانظر جزءًا من هذا القول في: الكشاف (١/ ٣١٠).
وأيضًا: فإنَّه هو المنعِم في نفس الأمر، والعباد وسائط، فهو المنعِم على عبده في الحقيقة. وأيضًا: فالامتنان استعباد وكسر وإذلال لمن تَمُنّ عليه، ولا تصلح العبودية والذلّ إلا للَّه. وأيضًا: فالمنَّة أن يشهد المعطي أنَّه هو ربّ الفضل والإنعام وأنَّه وليّ النعمة ومُسديها، وليس ذلك في الحقيقة إلا اللَّه. وأيضًا: فالمانُّ بعطائه يشهد نفسه مترفِّعًا على الآخذ، مستعليًا عليه، غنيًّا عنه، عزيزًا؛ ويشهد ذلَّة الآخذ١ وحاجته إليه وفاقته، ولا ينبغي ذلك للعبد.
وأيضًا: فإنَّ المعطي قد تولَّى اللَّهُ ثوابَه، وردَّ عليه أضعافَ ما أعطى، فبقي عوضُ ما أعطى عند اللَّه، فأيّ حقٍّ بقيَ له قِبَلَ الآخذ؟ فإذا امتنَّ عليه فقد ظلمه ظلمًا بيِّنًا، وادَّعى أنَّ حقَّه في قِبَله٢. ومن هنا -واللَّه أعلم- بطلت صدقته بالمنّ، فإنَّه لما كانت معاوضته ومعاملته مع اللَّه، وعوضُ تلك الصدقة عنده، فلم يرض به، ولاحظ العوضَ من الآخذ والمعاملة عنده، فمنَّ عليه بما أعطاه = أبطل معاوضته مع اللَّه ومعاملته له.
فتأمَّلْ هذه النصائح من اللَّه لعباده، ودلالتها٣ على ربوبيته وإلهيته وحده، وأنَّه يبطل عمل من نازعه في شيء من ربوبيته وإلهيته، لا إله غيره ولا ربَّ سواه.