الإنفاق في أيّ وقت وُجِدَ من ليل أو نهار، وعلى أيّ حالةٍ وُجِد من سرّ أو علانية١، فإنَّه سبب للجزاءِ على كل حالِّ. فلْيبادر إليه العبدُ، ولا ينتظر به غيرَ وقته وحاله، فلا يؤخّر٢ نفقة الليل إذا حضر إلى النهار، ولا نفقة النهار إلى الليل، ولا ينتظر بنفقة العلانية وقتَ السرّ، ولا بنفقة السرّ وقت العلانية؛ فإنَّ نفقته في أيّ وقت وعلى أيّ حال وُجِدتْ سببٌ لأجره وثوابه.
فتدبَّر هذه الأسرار في القرآن، فلعلَّك لا تظفر بها فيما يمر بك من التفاسير٣. والمنَّة والفضل للَّه وحده لا شريك له.
فأخبر سبحانه أنَّ القولَ المعروفَ -وهو الذي تعرفه القلوب ولا تنكره- والمغفرة -وهي٤ العفو عمَّن أساءَ إليك- خيرٌ من الصدقة المقرونة٥ بالأذى. فالقول المعروف إحسان وصدقة بالقول، والمغفرة إحسان بترك المؤاخذة والمقابلة؛ فهما نوعان من أنواع الإحسان، والصدقة المقرونة بالأذى حسنة مقترنة٦ بما يبطلها، ولا ريب أنّ حسنتين خير من حسنة باطلة.
(١) "ب، ك، ط": "وعلانية".
(٢) "ك، ط": "ولا يؤخر".
(٣) "ك": "بها تمرّ. . . ". "ط": "بها تمرّ بك في التفاسير".
(٤) "ف": "هو"، سهو.
(٥) "المقرونة" ساقط من "ك، ط".
(٦) "ب، ك، ط": "مقرونة".
ويدخل في هذا القول المعروف الردُّ الجميلُ على السائل، والعِدة الحسنة، والدعاءُ الصالح له١. ويدخل في المغفرة مغفرته للسائل إذا وجد منه بعضَ الجفوة والأذى٢ بسبب ردّه، فيكون عفوه عنه خيرًا٣ من أن يتصدّق عليه ويؤذيه.
هذا على المشهور من القولين في الآية. والقول الثاني: أنَّ المغفرة من اللَّه، أي: مغفرةٌ لكم من اللَّه بسبب القول المعروف والردّ الجميل خيرٌ من صدقة يتبعها أذى. وفيها قول ثالث. أي: مغفرةٌ وعفوٌ من السائل إذا رُدَّ وتعذَّر المسؤول خيرٌ من أن ينال منه٤ صدقةً يتبعها أذى٥.
وأصح٦ الأقوال هو الأوَّل، ويليه الثاني. والثالث ضعيف جدًّا، لأنَّ الخطاب إنَّما هو للمنفِق المسؤول، لا للسائل الآخذ. والمعنى أنَّ قول المعروف له والتجاوز والعفو خيرٌ لك من أن تَصدَّقَ٧ عليه وتؤذيَه.
ثمَّ ختمَ الآية بصفتين مناسبتين لما تضمّنته، فقال: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾[البقرة/ ٢٦٣].
(١) "ويدخل في هذا. . . " إلى هنا ساقط من "ط".
(٢) زاد في "ط": "له".
(٣) وقع في الأصل: "خير" بالرفع، وهو سهو، وكذا في "ف، ك".