طريق الهجرتين

ويدخل في هذا القول المعروف الردُّ الجميلُ على السائل، والعِدة الحسنة، والدعاءُ الصالح له١. ويدخل في المغفرة مغفرته للسائل إذا وجد منه بعضَ الجفوة والأذى٢ بسبب ردّه، فيكون عفوه عنه خيرًا٣ من أن يتصدّق عليه ويؤذيه.

هذا على المشهور من القولين في الآية. والقول الثاني: أنَّ المغفرة من اللَّه، أي: مغفرةٌ لكم من اللَّه بسبب القول المعروف والردّ الجميل خيرٌ من صدقة يتبعها أذى. وفيها قول ثالث. أي: مغفرةٌ وعفوٌ من السائل إذا رُدَّ وتعذَّر المسؤول خيرٌ من أن ينال منه٤ صدقةً يتبعها أذى٥.

وأصح٦ الأقوال هو الأوَّل، ويليه الثاني. والثالث ضعيف جدًّا، لأنَّ الخطاب إنَّما هو للمنفِق المسؤول، لا للسائل الآخذ. والمعنى أنَّ قول المعروف له والتجاوز والعفو خيرٌ لك من أن تَصدَّقَ٧ عليه وتؤذيَه.

ثمَّ ختمَ الآية بصفتين مناسبتين لما تضمّنته، فقال: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة/ ٢٦٣].

  1. (١) "ويدخل في هذا. . . " إلى هنا ساقط من "ط".
  2. (٢) زاد في "ط": "له".
  3. (٣) وقع في الأصل: "خير" بالرفع، وهو سهو، وكذا في "ف، ك".
  4. (٤) "ك، ط": "بنفسه"، تحريف.
  5. (٥) انظر الأقوال الثلاثة في الكشاف (١/ ٣١٢).
  6. (٦) "ب، ك، ط": "أوضح"، تحريف.
  7. (٧) "ط": "تتصدق".
799

فيه معنيان: أحدهما: أنَّ اللَّه غنيٌّ عنكم، لن يناله شيء من صدقاتكم، وإنَّما الحظّ الأوفر لكم في الصدقة، فنفعُها عائدٌ إليكم١، لا إليه سبحانه. فكيف بمنفقٍ٢ يمنُّ بنفقته ويؤذي بها٣ مع غنى اللَّه التام عنها وعن كلِّ ما سواه؟ ومع هذا فهو حليمٌ، إذ لم يعاجل المانَّ المؤذيَ٤ بالعقوبة. وفي ضمن هذا الوعيدُ له٥ والتحذيرُ.

والمعنى الثاني: أنَّه سبحانه مع غناه التامّ من كلِّ وجه، فهو الموصوف بالحلم والتجاوز والصفح، مع عطائه الواسع وصدقاته العميمة؛ فكيف يؤذي أحدكم بمنّه وأذاه، مع قلَّة ما يعطي ونزارتِه وفقرِه؟

ثمَّ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ٢٦٤﴾ [البقرة/ ٢٦٤].

فتضمَّنت هذه الآية الإخبار بأنَّ المنّ والأذى يحبط٦ الصدقة، وهذا دليل على أنَّ الحسنة قد تُحبَط بالسيّئة، مع قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ

  1. (١) "ب، ك، ط": "عليكم".
  2. (٢) محرّف في "ك" وساقط من "ط".
  3. (٣) "بها" ساقط من "ك، ط".
  4. (٤) "المؤذي" ساقط من "ب، ك، ط".
  5. (٥) "له" ساقط من "ك، ط".
  6. (٦) "ف": "محبط". وفي الأصل كما أثبتنا، وكذا في "ب، ك، ط".
800

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي