بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات/ ٢]. وقد تقدَّم الكلام على هذه المسألة في أوَّل هذه الرسالة، فلا حاجة إلى إعادته١.
وقد يقال: إنَّ المنَّ والأذى المقارن للصدقة هو الذي يبطلها دون ما يلحقها بعدها، إلا أنَّه ليس في اللفظ ما يدلّ على هذا التقييد، والسياقُ يدلّ على إبطالها٢ به مطلقًا. وقد يقال: تمثيله بالمرائي الذي لا يؤمن باللَّه واليوم الآخر يدل على أنَّ المنَّ والأذى المبطِل هو المقارِن كالرياءِ وعدم الإيمان، فإنَّ الرياءَ لو تأخَّر عن العمل لم يُبطله.
ويجابُ عن هذا بجوابين: أحدهما: أنَّ التشبيه وقع في الحال التي يُحبَط بها العمل، وهي حال المرائي والمانّ المؤذي في أنَّ كل واحدٍ منهما يُحبط العمل. الثاني: أنَّ الرِّياء لا يكون إلا مقارنًا للعمل؛ لأنَّه "فِعال" منَ الرؤية. أي: صاحبُه٣ يعمل ليرى النَّاسُ عملَه فلا يكون متراخيًا. وهذا بخلاف المنّ والأذى فإنَّه يكون مقارنًا ومتراخيًا، وتراخيه أكثر من مقارنته.
وقوله: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ﴾ إمَّا أن يكون المعني: كإبطال الذي ينفق، فيكون شبَّه الإبطال بالإبطال؛ أو المعنى: لا تكونوا كالذي ينفق ماله رئاءَ النَّاس، فيكون تشبيهًا للمنفِق بالمنفِق.
وقوله: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي: مثل٤ هذا المنفق الذي قد بطل ثوابُ نفقته
(١) انظر ما سبق في ص (٥٣٧).
(٢) "ف": "إبطاله"، سهو.
(٣) "ك": "التي صاحبه". "ط": "التي صاحبها"، تحريف.
(٤) "ف": "فمثل"، سهو.
﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ وهو الحجر الأملس. وفيه قولان: أحدهما: أنَّه واحد، والثاني: جمع صفوانة١. ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ وهو المطر الشديد ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ وهو الأملس الذي لا شيء عليه من نبات ولا غيره.
وهذا من أبلغ الأمثال وأحسنها، فإنَّه تضمّن٢ تشبيه قلب هذا المنفِق للرياء٣ الذي لم يصدر إنفاقُه عن إيمانٍ باللَّه واليوم الآخر بالحجر لشدَّته وصلابته وعدم الانتفاع به. وتضمَّن تشبيه ما علِق به من أثر الصدقة بالغبار الذي علِق بذلك الحجر. والوابل الذي أزال ذلك الترابَ عن الحجر وأذهبه٤ بالمانع الذي أبطل صدقَة هذا٥ وأزالها، كما يُذهب الوابلُ الترابَ الذي على الحجر فيتركه صلدًا؛ فلا يقدر المنفق على شيءٍ من ثوابه لبطلانه وزواله.
وفيه معني آخر، وهو أنَّ المنفِق لغير اللَّه هو في الظاهر عامل عملًا يترتَّب عليه الأجر، ويزكو له كما تزكو الحبَّة التي إذا بُذرت في التراب الطيِّب أنبتت سبعَ سنابل، في كلِّ سنبلة مائة حبَّة. ولكن وراء هذا الإنفاق مانع يمنع من نموّه وزكائه، كما أنَّ تحت التراب حجرًا٦ يمنع من نبات ما يبذَر من الحبّ فيه، فلا يُنبت ولا يُخرج شيئًا.
(١) "ك، ط": "صفوة"، تحريف. وانظر: تفسير الطبري (٥/ ٥٢٣).
(٢) "ك، ط": "يتضمن".
(٣) "ك، ط": "المنفق المرائي".
(٤) هذه قراءة "ف". وفي غيرها: "فأذهبه".
(٥) "ك، ط": "صدقته".
(٦) في الأصل: "حجر" بالرفع، وهو سهو. وكذا في النسخ الأخري. وفي "ط" كما أثبتنا.