ولهذا قال في المحسنات١﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾[الأحزاب/ ٣١]. وأمَّا ما توهّموه من استواء دلالة المفرد والتثنية، فوهم منشؤه ظنُّ أنَّ الضعف هو المثل مع الأصل، وليس كذلك. بل المثل له اعتباران: إن اعتبر وحده فهو ضعف، وإن اعتبر مع نظيره فهما ضعفان٢. واللَّه أعلم.
واختلف في رفع٣ قوله: ﴿فَطَلٌّ﴾. فقيل: مبتدأ٤ خبره محذوف، أي: فطلٌّ٥ يكفيها، وقيل: خبر مبتدؤه محذوف، فالذي يُرويها ويُصيبها طلّ٦. والضمير في ﴿أَصَابَهَا﴾ إمَّا أن يرجع إلى الجنَّة أو إلى الربوة، وهما متلازمان.
-واللَّه- أفقرُ ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا١.
وفي صحيح البخاري٢ عن عبيد بن عمير قال: قال عمر يومًا لأصحاب النبيّ ﷺ: فيم ترون٣ هذه الآية نزلت: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾٤[البقرة/ ٢٦٦]؟ قالوا: اللَّه أعلم. فغضب عمر، فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. قال عمر: قل يا ابن أخي ولا تحقِرْ بنفسِك٥. قال ابن عباس: ضُرِبت مثلًا لعمل. قال عمر: أيّ عمل؟ قال ابن عباس: لعمل. قال عمر: لرجل عمل بطاعة اللَّه، ثمَّ بعث اللَّه له الشيطان فعمل بالمعاصي حتَّى أغرق أعماله.
فقوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ أخرجه مخرج الاستفهام الإنكاري، وهو أبلغ من النفي والنهي، وألطف موقعًا؛ كما ترى غيرك يفعل فعلًا قبيحًا فتقول: أيفعل هذا عاقل؟ أيفعل٦ هذا من يخاف اللَّه والدار الآخرة؟
وقال: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ بلفظ الواحد لتضمّنه معنى الإنكار العامّ، كما تقول: أيفعل هذا أحد فيه خير؟ وهو أبلغ في الإنكار من أن يقال:
(١) الكشاف (١/ ٣١٤).
(٢) كتاب التفسير (٤٥٣٨).
(٣) "ك": "هم يرون" وصحح في الحاشية. وكذا كان في نسخة الناشر فغيّر ما قبله: "سأل عمر يومًا أصحاب. . . ".
(٤) "ك، ط": ". . . من نخيل".
(٥) كذا في الأصل مضبوطًا بكسر السين، وكذا في "ف، ك". وفي "ب": "نفسَك"، وكذا في الصحيح.
(٦) "ك، ط": "لا يفعل" في هذه الجملة والجملة السابقة، وهو خطأ.