طريق الهجرتين

أتودّون١. وقوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ﴾ أبلغ في هذا٢ الإنكار من لو قيل: أيريد، لأنَّ محبَّة هذه الحال٣ المذكورة وتمنِّيها أقبح وأنكر من مجرَّد إرادتها.

وقوله: ﴿أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ خصَّ هذين النوعين من الثمار بالذكر، لأنِّهما أشرف أنواع الثمار، وأكثرها منافع٤. فإنَّ منهما القوت والغذاء والدواءَ والشراب والفاكهة والحلو والحامض، ويؤكلان رطبًا ويابسًا، ومنافعهما كثيرة جدًّا.

وقد اختلف في الأنفع والأفضل منهما فرجَّحت طائفة النخيلَ، ورجَّحت طائفة العنبَ. وذكرت كلُّ طائفة حججًا لقولها قد ذكرناها٥ في غير هذا الموضع٦.

وفصل الخطاب أنَّ هذا يختلف باختلاف البلاد، فإنَّ اللَّه سبحانه أجرى العادة بأنَّ سلطان أحدهما لا يحُلُّ حيث٧ سلطانُ الآخر. فالأرضُ التي يكون فيها سلطان النخل٨ لا يكون العنب بها طائلًا ولا كثيرًا٩، لأنَّه إنَّما يخرج في الأرض الرخوة اللينة المعتدلة غير

  1. (١) "ك، ط": "يقول: أيودون".
  2. (٢) "هذا" ساقط من "ط".
  3. (٣) "ك، ط": "هذا الحال".
  4. (٤) "ك، ط": "نفعًا".
  5. (٥) "ك، ط": "فذكرناها".
  6. (٦) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ١١٧).
  7. (٧) "ف": "حيث يحلّ". ولا توجد "يحل" هنا في الأصل ولا في حاشيته، فأخشى أن يكون من سهو الناسخ. وكذا في "ك، ط". وفي "ب": "حيث حلّ".
  8. (٨) "ك، ط": "النخيل".
  9. (٩) "ب": "كثيرًا ولا طائلًا".
808

السبخة، فينمو فيها ويكثر١. وأمَّا النخيل فنموّه وكثرته في الأرض الحارَّة السبخة، وهي لا تناسب شجر٢ العنب. فالنخل في أرضه وموضعه أنفع وأفضل من العنب فيها، والعنب في أرضه ومعدنه أفضل من النخل فيها. واللَّه أعلم.

والمقصود أنَّ هذين النوعين هما أفضل أنواع الثمار وأكرمها وأنفعها٣، فالجنَّة المشتملة عليهما من أفضل الجنان. ومع هذا فالأنهار تجري من٤ تحت هذه الجنَّة، وذلك أكمل لها وأعظم في قدرها. ومع ذلك فلم تَعدَمْ شيئًا من أنواع الثمار المشتهاة، بل فيها من كلِّ الثمرات، ولكن معظمها ومقصودها النخيل والأعناب. فلا تنافي بين كونها من نخيل وأعناب، و﴿فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾.

ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف/ ٣٢ - ٣٤]. وقد قيل: إنَّ الثمار هنا وفي آية البقرة المراد بها المنافع والأموال٥، والسياق يدلّ على أنَّها الثمار المعروفة لا غيرها، لقوله هنا: ﴿لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾٦، ثمَّ قال: ﴿فَأَصَابَهَا﴾ أي: الجنَّة٧ ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾، وفي الكهف: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ

  1. (١) "ط": "فيكثر".
  2. (٢) "شجر" ساقط.
  3. (٣) "أنفعها" ساقط من "ك، ط".
  4. (٤) "من" ساقط من "ك، ط".
  5. (٥) انظر: الكشاف (١/ ٣١٤).
  6. (٦) وقع في الأصل: "وله فيها. . . " بالواو سهوًا، وكذا في النسخ الأخرى.
  7. (٧) "أي الجنة" ساقط من "ب".
809

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي