السبخة، فينمو فيها ويكثر١. وأمَّا النخيل فنموّه وكثرته في الأرض الحارَّة السبخة، وهي لا تناسب شجر٢ العنب. فالنخل في أرضه وموضعه أنفع وأفضل من العنب فيها، والعنب في أرضه ومعدنه أفضل من النخل فيها. واللَّه أعلم.
والمقصود أنَّ هذين النوعين هما أفضل أنواع الثمار وأكرمها وأنفعها٣، فالجنَّة المشتملة عليهما من أفضل الجنان. ومع هذا فالأنهار تجري من٤ تحت هذه الجنَّة، وذلك أكمل لها وأعظم في قدرها. ومع ذلك فلم تَعدَمْ شيئًا من أنواع الثمار المشتهاة، بل فيها من كلِّ الثمرات، ولكن معظمها ومقصودها النخيل والأعناب. فلا تنافي بين كونها من نخيل وأعناب، و﴿فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾.
ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾[الكهف/ ٣٢ - ٣٤]. وقد قيل: إنَّ الثمار هنا وفي آية البقرة المراد بها المنافع والأموال٥، والسياق يدلّ على أنَّها الثمار المعروفة لا غيرها، لقوله هنا: ﴿لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾٦، ثمَّ قال: ﴿فَأَصَابَهَا﴾ أي: الجنَّة٧﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾، وفي الكهف: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ
(١) "ط": "فيكثر".
(٢) "شجر" ساقط.
(٣) "أنفعها" ساقط من "ك، ط".
(٤) "من" ساقط من "ك، ط".
(٥) انظر: الكشاف (١/ ٣١٤).
(٦) وقع في الأصل: "وله فيها. . . " بالواو سهوًا، وكذا في النسخ الأخرى.
(٧) "أي الجنة" ساقط من "ب".
كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾. وما ذلك إلا ثمار الجنَّة.
ثمَّ قال تعالى: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾. هذا إشارة إلى شدَّة حاجته إلى جنَّته، وتعلُّق قلبه بها من وجوه: أحدها: أنَّه قد كبرت١ سنّه عن الكسب والتجارة ونحوها. الثاني: أنَّ ابن آدم عند كبره٢ يشتدّ حرصه. الثالث: أنّ له ذرية، فهو حريص على بقاء جنّته لحاجته وحاجة ذرِّيته. الرابع: أنَّهم ضعفاء، فهم كَلٌّ عليه، لا ينفعونه بقوتهم وتصرّفهم٣. الخامس: أنَّ نفقتهم عليه، لضعفهم وعجزهم. وهذا نهاية ما يكون من تعلّق القلب بهذه الجنَّة: لخطرها في نفسها، وشدَّة حاجته وحاجة ذريته إليها٤.
فإذا تصوّرت هذه الحال وهذه الحاجة، فكيف تكون مصيبة هذا الرجل إذا أصاب جنَّتَه إعصار، وهو٥ الريح التي تستدير في الأرض، ثمَّ ترتفع في طبقات الجوّ كالعمود، وفيها٦ نارٌ مرَّت بتلك الجنَّة، فأحرقتها، وصيرتها رمادًا؟ فصدق واللَّه الحسن: "هذا مثلٌ قلَّ من يعقله من الناس"٧.
ولهذا نبَّه سبحانه على عظم هذا المثل، وحدا٨ القلوب إلى التفكر فيه لشدَّة حاجتها إليه فقال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ
(١) "ط": "كبر".
(٢) "ك، ط": "كبر سنه".
(٣) قراءة "ف": "يقوتهم ويصرفهم".
(٤) "إليها" سقط سهوًا من "ف". وفي "ط": "شدة حاجته وذريته".