طريق الهجرتين

هذا وإنَّ وعده له بالفقر١ ليس شفقةً عليه ولا نصيحةً له كما ينصح الرجل أخاه، ولا محبةً في بقائه غنيًّا، بل لا شيء أحبَّ إليه من فقره وحاجته؛ وإنَّما وعدُه له بالفقر وأمرُه إيَّاه بالبخل ليُسيءَ ظنّه بربّه، ويتركَ ما يحبّه من الإنفاق لوجهه، فيستوجب منه الحرمان. وأمَّا اللَّه ﷾ فإنَّه يعِد عبده على إنفاقه٢ مغفرةً منه لذنوبه، وفضلًا بأن يخلف عليه أخيرَ٣ ممَّا أنفق وأضعافه إمَّا في الآخرة٤ أو في الدنيا والآخرة. فهذا وعدُ اللَّه، وذاك وعدُ الشيطان. فلينظر البخيل والمنفق بأيّ الوعدين٥ هو أوثق، وإلى أيّهما يطمئنّ قلبه وتسكن نفسه؟ واللَّه يوفِّق من يشاء، ويخذل من يشاء، وهو الواسع العليم.

وتأمَّل كيف ختم هذه الآية بهذين الاسمين، فإنَّه واسع الفضل٦، واسع العطاء، عليمٌ بمن يستحقُّ فضله، ومن يستحقّ عدله، فيعطي هذا بفضله، ويمنع هذا بعدله، وهو بكلِّ شيءٍ عليم.

فتأمَّل هذه الآيات ولا تستطِلْ بسطَ الكلام فيها، فإنَّ لها شأنًا لا يعقله إلا من عقل عن اللَّه خطابَه، وفهم مرادَه ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ٤٣﴾ [العنكبوت/ ٤٣].

وتأمَّل ختم هذه السورة التي هي سنام القرآن بأحكام الأموال وأقسام

  1. (١) "ك، ط": "الفقر".
  2. (٢) "على إنفاقه" ساقط من "ك، ط".
  3. (٣) هذه قراءة "ف". ورسم الكلمة في الأصل يشبه "أكبر". وفي "ب، ك، ط": "أكثر".
  4. (٤) "ك، ط": "في الدنيا".
  5. (٥) "ك، ط": "أي الوعدين".
  6. (٦) "واسع الفضل" ساقط من "ك، ط".
816

الأغنياء وأحوالهم، وكيف قسمهم إلى ثلاثة أقسام:

محسنٌ: وهم المتصدّقون، فذكر جزاءَهم ومضاعفته، وما لهم في قرض أموالهم للمليّ الوفيّ. ثمَّ حذَّرهم مما يُبطل ثواب صدقاتهم ويُحرقها بعد استوائها وكمالها من المنّ والأذى، وحذَّرهم مما يمنع ترتّبَ أثرها عليها ابتداءً من الرياءِ. ثمَّ أمرهم بأن يتقرَّبوا١ إليه بأطيبها، ولا يتيمّموا رديئها٢ وخبيثها. ثمَّ حذَّرهم من الاستجابة لداعي البخل والفحش، وأخبر أنَّ استجابتهم٣ لدعوته وثقتهم بوعده أولى بهم.

ثمَّ أخبر٤ أنَّ هذا من حكمته التي يؤتيها من يشاء من عباده، وأن من أوتيَها فقد أوتي٥ ما هو خير وأفضل من الدنيا كلّها؛ لأنَّه سبحانه وصف الدنيا بالقلَّة فقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء/ ٧٧]، وقال: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة/ ٢٦٩]، فدلَّ على أنَّ ما يؤتيه عبده من حكمته خيرٌ من الدنيا وما عليها. ولا يعقل هذا كلّ أحد، بل لا يعقله إلا من له لبّ وعقل زكي، فقال: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ٢٦٩﴾ [البقرة/ ٢٦٩].

ثمَّ أخبر سبحانه أنَّ كل ما أنفقوه من نفقة أو تقرَّبوا به إليه من نذر فإنَّه يعلمه، فلا يضيع٦ لديه، بل يعلم ما كان لوجهه منه، مما كان لغيره؛

  1. (١) "ك، ط": "أن يتقربوا".
  2. (٢) "ك": "أردها". "ط": "أردأها".
  3. (٣) في الأصل: "استجابته"، سهو.
  4. (٤) "ك، ط": "وأخبر".
  5. (٥) زاد في "ب، ك، ط": "خيرًا كثيرًا: أوتي"، سهوًا أو لعدم التفطن لسياق الكلام.
  6. (٦) قراءة "ف": "ولا يضيع".
817

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي