طريق الهجرتين

قاطع الطريق على الناس: هذا بقهره لهم وتسلّطه عليهم، وهذا بامتناعه من تفريج كُرباتهم إلّا بتحميلها١ كُرباتٍ أشدّ منها. فأخبر عن قطّاع الطريق بأنّهم يحاربون اللَّه ورسوله، وآذَنَ هؤلاءِ إن لم يتركوا الربا بحربه وحرب رسوله.

ثم قال: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة/ ٢٨٠]. يعني إن تركتم الربا وتبتم إلى اللَّه منه وقد عاقدتم عليه، فإنَّما لكم رؤوس أموالكم، لا تزدادون عليها، فتظلِمون٢ الآخذ؛ ولا تُنقَصون منها، فيظلمكم من أخذها. فإن كان هذا القابض معسرًا فالواجب إنظاره إلى مَيسرة، وإن تصدّقتم عليه وأبرأتموه فهو أفضل لكم وخير لكم. فإن أبت نفوسكم وشحَّت بالعدل الواجب أو الفضل٣ المندوب، فذكّروها يومًا ترجعون فيه إلى اللَّه وتلقَون ربَّكم فيوفّيكم جزاء أعمالكم أحوجَ ما أنتم إليه.

فذكر سبحانه المحسِن وهو المتصدّق، ثمَّ عقَّبه بالظالم وهو المرابي.

ثمَّ ذكر "العادل" في آية التداين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ الآية [البقرة/ ٢٨٢]. ولولا أنَّ هذه الآية تستدعي سِفرًا وحدها لذكرت بعض تفسيرها. والغرض إنَّما هو التنبيه والإشارة. وقد

  1. (١) كذا في الأصل و"ف". وفي "ب": "بتحملها"، وفي "ك": "بتحميله". وفي ط: "بتحميلهم".
  2. (٢) في الأصل: "ولا فتظلمون"، والظاهر أن "ولا" سهو. وكتب ناسخ "ف": "ولا تظلمون". والصواب ما أثبتنا من "ب" وغيرها.
  3. (٣) "ف": "الفعل"، تحريف.
823

ذكر أيضًا العادل، وهو آخذ رأس ماله من غريمه لا بزيادة ولا نقصان.

ثمَّ ختم السورة بهذه الخاتمة العظيمة التي هي من كنز من١ تحت عرشه٢، والشيطان يفرّ من البيت الذي تُقرأ فيه٣. وفيها من العلوم والمعارف وقواعد الإسلام وأصول الإيمان ومقامات الإحسان ما يستدعي بيانه كتابًا مفردًا.

والمقصود الكلام على طبقات٤ الخلائق في الدار الآخرة. ولنعُدْ٥ إلى المقصود، فإنَّ هذا من سعي القلم٦، ولعلَّه أهمّ ممَّا نحن بصدده.

فهذه الطبقات الأربعة٧ من طبقات الأمة هم أهل الإحسان والنفع المتعدِّي وهم: العلماءُ، وأئمة العدل، وأهل الجهاد، وأهل الصدقة وبذل الأموال في مرضاة اللَّه. فهؤلاء ملوك الآخرة، وصحائف حسناتهم متزايدة، تملى فيها الحسنات وهم في بطون الأرض، ما دامت آثارهم في الدنيا. فيا لها من نعمة ما أجلَّها، وكرامة ما أعظمها! يختصُّ اللَّه بها

  1. (١) "من" هذه ساقطة من "ك، ط".
  2. (٢) كما ورد في حديث أبي ذر في مسند أحمد (٥/ ١٥١). وقد ثبت في صحيح مسلم (١٧٣) من حديث مرّة بن عبد اللَّه ﵁ أن النبي ﷺ أعطي خواتيم البقرة ليلة أسري به عند سدرة المنتهى.
  3. (٣) ثبت في صحيح مسلم (٧٨٠) من حديث أبي هريرة ﵁ أن البيت الذي تقرأ فيه البقرة لا يدخله الشيطان.
  4. (٤) "ط": "والمقصود ذكر الخلائق"!
  5. (٥) "ف": "ولنعدل" سبق قلم من الناسخ.
  6. (٦) "ف": "العلم"، رسم الكلمة يحتمل هذه القراءة، ولكن الصواب ما أثبتنا. وكذا في "ب" وغيرها.
  7. (٧) كذا في الأصل وغيره، وهو صحيح في العربية. وفي "ط": "الأربع".
824

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي