طريق الهجرتين

عند آخرين. وهم موكولون١ إلى المشيئة، ولكن نصوص القرآن والسنَّة تدلُّ على نجاتهم وقبول توبتهم، وهو وعد وعدهم اللَّه إيَّاه، واللَّه لا يخلف الميعاد.

فإن قيل: فما الفرقُ بين أهل هذه الطبقة والتي قبلها؟ فإنَّ اللَّه إذا كفَّر عنهم سيّئاتهم، وأثبت لهم بكلِّ سيئة حسنةً، كانوا كمن قبلهم أو أرجح.

قيل: قد تقدَّم الكلام على هذه المسألة بما فيه كفاية٢، فعليك بمعاودته هناك. وكيف يستوي عند اللَّه من أنفق عمره في طاعته ولم يغشَ كبيرةً، ومن لم يدَع كبيرةً إلا ارتكبها، وفرَّط في أوامره، ثمَّ تاب؟ فهذا غايته أن تُمْحَى سيئاتُه، ويكون لا له ولا عليه. وأمَّا أن يكون هو ومَن قبله سواءً أو أرجح منه فكلّا!

الطبقة الحادية عشرة: طبقة أقوام خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيّئًا، فعملوا حسنات وكبائر، ولقوا اللَّه مُصرِّين عليها غير تائبين منها، لكن حسناتهم أغلب من سيّئاتهم، فإذا وُزِنتْ بها رجَحتْ كِفَّةُ الحسنات، فهؤلاء أيضًا ناجون فائزون. قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٨ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ٩﴾ [الأعراف/ ٨ - ٩].

قال حذيفة وعبد اللَّه بن مسعود وغيرهما من الصحابة: يُحشَر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: فمن رجحت حسناته على سيئاته بواحدة دخل الجنَّة، ومن رجحت سيئاته على حسناته بواحدة دخل النار، ومن

  1. (١) "ف": "موكلون"، سهوًا.
  2. (٢) انظر: ص (٥٠٥) وما بعدها.
827

استوت حسناته وسيئاته فهو من أهل الأعراف١.

وهذه الموازنة تكون بعد القصاص، واستيفاء المظلومين حقوقهم من حسناته. فإذا بقي له٢ شيء منها وزن هو وسيئاته.

لكن٣ هنا مسألة، وهي: إذا وزنت السيئات بالحسنات فرجحت الحسنات، هل يُلغَى المرجوحُ جملةً، ويصير الأثر للراجح، فيثاب على حسناته كلّها؛ أو يسقَط من الحسنات ما قابلها من السيئات المرجوحة، ويبقى التأثير للرجحان، فيثاب عليه وحده؟ فيه قولان. هذا عند من يقول بالموازنة والحكمة، وأمَّا من ينفي ذلك فلا عبرة عنده بهذا، وإنَّما هو موكول إلى محض المشيئة. وعلى القول الأوَّل فيذهب أثر السيئات جملةً بالحسنات الرَّاجحة. وعلى القول الثاني يكون تأثيرها في نقصان ثوابه، لا في حصول العقاب له.

ويترجَّح هذا القول الثاني بأنَّ السيئات لو لم تحبط ما قبلها من الحسنات، وكان العمل والتأثير للحسنات كلّها، لم يكن فرقٌ بين وجودها وعدمها، ولكان لا فرق بين المحسن الذي تمحّضَ٤ عملُه حسناتٍ، وبين من خلط عملًا صالحًا وآخر سيِّئًا.

وقد يُجاب عن هذا بأنَّها أثَّرت في نقصان ثوابه ولا بدّ، فإنَّه لو اشتغل في زمن إيقاعها بالحسنات لكان أرفع لدرجته وأعظم لثوابه.

  1. (١) تفسير الطبري (١٢/ ٤٥٣).
  2. (٢) "له" ساقط من "ب، ك، ط".
  3. (٣) "ك، ط": "ولكن".
  4. (٤) لم ينقط أول الكلمة في الأصل، ولكن هكذا ضبطها وضبط ما بعدها في "ب". وفي "ف": "محض"، وهو خلاف الأصل. وكذا في "ك، ط".
828

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي