وقيل: هم قوم رضي عنهم أحدُ الأبوين دون الآخر؛ يُحبَسُون على الأعراف حتى يقضي اللَّه بين الناس، ثمَّ يدخلهم الجنة١. وهو٢ من جنس ما قبله، فلا تناقض بينهما.
وقيل: هم أصحاب الفترة وأطفال المشركين٣.
وقيل: هم أولو الفضل من المؤمنين علَوا على الأعراف، فيطَّلعون على أهل النار وأهل الجنَّة جميعًا٤.
وقيل: هم ملائكة٥ لا من بني آدم٦.
والثابت عن الصحابة هو القول الأوَّل. وقد رويت فيه آثار كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت أسانيدها. وآثار الصحابة في ذلك المعتمدة. وقد اختلف في تفسير الصحابي هل له حكم المرفوع أو الموقوف، على قولين. الأوَّل اختيار أبي عبد اللَّه الحاكم٧، والثاني هو الصواب ولا نقوِّل٨ رسول اللَّه ﷺ ما لم نعلم أنَّه قاله.
(١) تفسير البغوي (٣/ ٢٣٢) عن مجاهد.
(٢) "ط": "هي".
(٣) تفسير البغوي (٣/ ٢٣٣). وانظر ما يأتي في ص (٨٥٨).
(٤) وهو قول الحسن. انظر: تفسير البغوي (٣/ ٢٣٣).
(٥) "ك، ط": "الملائكة".
(٦) تفسير الطبري (١٢/ ٤٥٩).
(٧) انظر: المستدرك (١/ ٧٢٦)، (٢/ ٢٨٣) وقد عزاه إلى الشيخين. وقيّده في معرفة علوم الحديث (٢٠) بكونه في أسباب النزول.
(٨) "ك، ط": "ولا نقول على رسول اللَّه اللَّه". "ب": "ولا يقول. . . ما لم يعلم".
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ صريح في أنَّهم من بني آدم، ليسوا من الملائكة.
وقوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ٤٦﴾ الضميران في الجملتين لأصحاب الأعراف. لم يدخلوا الجنَّة بعد، وهم يطمعون في دخولها. قال أبو العالية: ما جعل اللَّه ذلك الطمع فيهم إلا كرامةً يريدها بهم١. وقال الحسن: الذي جعل٢ الطمع في قلوبهم يوصلهم إلى ما يطمعون٣. وفي هذا ردّ على قول من قال: إنَّهم أفاضل المؤمنين عَلَوا على الأعراف يطالعون أحوالَ الفريقين. فعاد الصواب إلى تفسير الصحابة، وهم أعلم الأمة بكتاب اللَّه ومراده منه.
ثمَّ قال تعالى: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ٤٧﴾ هذا دليل على أنَّهم٤ بمكان مرتفع بين الجنَّة والنار، فإذا أشرفوا على أهل الجنَّة نادوهم بالسلام وطمعوا في الدخول إليها. وإذا أشرفوا على أهل النار سألوا اللَّه أن لا يجعلهم معهم.
(١) انظر: تفسير البغوي (٣/ ٢٣٣). وهذا اللفظ أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٩٠٧)، وابن أبي حاتم (٨٥١٧)، والطبري (٨/ ١٩٦) عن الحسن، وسنده صحيح. (ز).