والمقصود أنَّ مذهبهم تخليد هذه الطبقة في النار، وإن لم يسمّوهم كفَّارًا، فوافقوا الخوارج في الحكم، وخالفوهم في الاسم. ولهذا تسمّى هذه المسألة من مسائل الأسماءِ والأحكام.
فهذه ثلاث فرق توجب لهذه الطبقة١ الخلود في النار.
وقالت المرجئة على اختلاف آرائهم: لا ندري٢ ما يفعل اللَّه بهم. فيجوز أن يعذِّبهم كلّهم، وأن يعفو عنهم كلّهم، وأن يعذّب بعضهم ويعفو عن بعضهم، غير أنَّهم لا يخلد أحد منهم في النار. فجوَّزوا أن يلحق بعضهم بمن ترجَّحت حسناته على سيئاته، بل جوَّزوا أن يرفع عليه في الدرجة، فهم موكولون عندهم إلى محض المشيئة لا يُدرَى ما يفعل اللَّه بهم، بل يُرجأ أمرهم إلى اللَّه وحكمه. وهذا قول كثير من المتكلِّمين والفقهاء والصوفية وغيرهم.
فهذه الأقوال هي٣ التي يعرفها أكثر الناس، ولا يحكي أهل الكلام غيرها. وقول الصحابة والتابعين وأئمة الحديث لا يعرفونه ولا يحكونه، وهو الذي ذكرناه عن ابن عبَّاس وحذيفة وابن مسعود ﵃ أنَّ من ترجَّحت سيئاته بواحدة دخل النَّار.
وهؤلاء هم القسم الذين جاءت فيهم الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول اللَّه ﷺ بأنَّهم١ يدخلون النَّار، فيكونون فيها على مقدار أعمالهم: فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه٢ إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه٣ إلى ركبتيه. ويلبثون فيها على قدر أعمالهم، ثمَّ يخرجون منها، فينبتون على أنهار الجنَّة، فيُفيض عليهم أهل الجنَّة من الماءِ حتَّى تنبت أجسادهم، ثمَّ يدخلون الجنة٤. وهم الطبقة الذين يخرجون من النَّار بشفاعة الشافعين، وهم الذين يأمر اللَّه تعالى سيِّد الشفعاء مرارًا أن يخرجهم من النار بما معهم من الإيمان٥.
وإخبار النبيّ ﷺ أنَّهم يكونون فيها على قدر أعمالهم، مع قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ١٤﴾٦[الأحقاف/ ١٤] و﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٩٠﴾[النمل/ ٩٠] وقوله: ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ١١١﴾٧[النحل/ ١١١] وأضعاف ذلك من نصوص القرآن
(١) "ب، ك، ط": "فإنّهم"، تحريف.
(٢) "ب، ك، ط": "تأخذه النار".
(٣) "ك، ط": "تأخذه النار".
(٤) يشهد له ما أخرجه مسلم في كتاب الجنة ونعيمها (٢٨٤٥) من حديث سمرة ﵁.
(٥) يشهد له ما أخرجه البخاري في التوحيد (٧٤٤٠) ومسلم في الإيمان (١٩٣) من حديث أنس ﵁.
(٦) ورد في الأصل: "جزاء بما كنتم تعملون"، وكذا في النسخ الأخرى، ولم يرد هذا اللفظ في القرآن الكريم، فحذف في "ط" "جزاءً". ولعل المقصود ما أثبتنا.
(٧) أثبت في "ط" جزءًا من آية أخرى وردت في البقرة (٢٨١)، وآل عمران (١٧١).