وهؤلاء هم القسم الذين جاءت فيهم الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول اللَّه ﷺ بأنَّهم١ يدخلون النَّار، فيكونون فيها على مقدار أعمالهم: فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه٢ إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه٣ إلى ركبتيه. ويلبثون فيها على قدر أعمالهم، ثمَّ يخرجون منها، فينبتون على أنهار الجنَّة، فيُفيض عليهم أهل الجنَّة من الماءِ حتَّى تنبت أجسادهم، ثمَّ يدخلون الجنة٤. وهم الطبقة الذين يخرجون من النَّار بشفاعة الشافعين، وهم الذين يأمر اللَّه تعالى سيِّد الشفعاء مرارًا أن يخرجهم من النار بما معهم من الإيمان٥.
وإخبار النبيّ ﷺ أنَّهم يكونون فيها على قدر أعمالهم، مع قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ١٤﴾٦[الأحقاف/ ١٤] و﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٩٠﴾[النمل/ ٩٠] وقوله: ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ١١١﴾٧[النحل/ ١١١] وأضعاف ذلك من نصوص القرآن
(١) "ب، ك، ط": "فإنّهم"، تحريف.
(٢) "ب، ك، ط": "تأخذه النار".
(٣) "ك، ط": "تأخذه النار".
(٤) يشهد له ما أخرجه مسلم في كتاب الجنة ونعيمها (٢٨٤٥) من حديث سمرة ﵁.
(٥) يشهد له ما أخرجه البخاري في التوحيد (٧٤٤٠) ومسلم في الإيمان (١٩٣) من حديث أنس ﵁.
(٦) ورد في الأصل: "جزاء بما كنتم تعملون"، وكذا في النسخ الأخرى، ولم يرد هذا اللفظ في القرآن الكريم، فحذف في "ط" "جزاءً". ولعل المقصود ما أثبتنا.
(٧) أثبت في "ط" جزءًا من آية أخرى وردت في البقرة (٢٨١)، وآل عمران (١٧١).
والسنَّة يدلّ على ما قاله أفضلُ الأمة وأعلمُها باللَّه وكتابه وأحكامِ الدارين أصحابُ محمد ﷺ. والعقل والفطرة تشهد له، وهو مقتضى حكمة العزيز الحكيم الذي بهرت حِكَمه١ العقول. فليس الأمر مسيَّبًا٢ خارجًا عن الضبط والحكمة، بل مربوط بالأسباب، والحكمُ مرتَّب عليها أكملَ ترتيب، جارٍ على نظام اقتضاه السبب واستدعته الحكمة.
وأيّ طريقٍ٣ سلكها سالك غير هذه الطريق من الطرق المتقدِّمة أفضت به إلى ترك بعض النصوص ولا بدّ، فإنَّها تتناقض في حقِّه، لما أصَّله من الأصل الذي لا يلتئم عليه جميع النصوص٤. فلا بدَّ أن يردّ بعضَها ببعض، أو يستشكلها، أو يتطلَّب لها مستنكرَ التأويلات ووجوه التحريفات؛ كما ردَّ الخوارج والمعتزلة النصوص المتواترة الدالَّة على خروج أهل الكبائر من النَّار بالشفاعة، فكذَّبوا٥ بها، وقالوا: لا سبيل لمن دخل النَّار إلى الخروج منها بشفاعة ولا غيرها. ولما بهرتهم نصوصُ الشفاعة، وصاح بهم أهلُ السنَّة وأئمة الإسلام من كل قطر وجانب، ورموهم بسهام الردّ عليهم، أحالوا بالشفاعة على زيادة الثواب فقط، لا على الخروج من النار. فردّوا السنَّة المتواترة قطعًا، وصاروا مضغة في أفواه الأمة وعارًا في فِرَقها. فإنَّ أمر الشفاعة أظهر عند الأمة من أن يقبل شكًّا أو نزاعًا، وهو عندهم مثل الصراط والحساب ونحوهما مما يُعلَم إخبار الرسول ﷺ به قطعًا. ولكن إنَّما أُتِيَ القومُ لأنَّهم في غاية