طريق الهجرتين

والسنَّة يدلّ على ما قاله أفضلُ الأمة وأعلمُها باللَّه وكتابه وأحكامِ الدارين أصحابُ محمد ﷺ. والعقل والفطرة تشهد له، وهو مقتضى حكمة العزيز الحكيم الذي بهرت حِكَمه١ العقول. فليس الأمر مسيَّبًا٢ خارجًا عن الضبط والحكمة، بل مربوط بالأسباب، والحكمُ مرتَّب عليها أكملَ ترتيب، جارٍ على نظام اقتضاه السبب واستدعته الحكمة.

وأيّ طريقٍ٣ سلكها سالك غير هذه الطريق من الطرق المتقدِّمة أفضت به إلى ترك بعض النصوص ولا بدّ، فإنَّها تتناقض في حقِّه، لما أصَّله من الأصل الذي لا يلتئم عليه جميع النصوص٤. فلا بدَّ أن يردّ بعضَها ببعض، أو يستشكلها، أو يتطلَّب لها مستنكرَ التأويلات ووجوه التحريفات؛ كما ردَّ الخوارج والمعتزلة النصوص المتواترة الدالَّة على خروج أهل الكبائر من النَّار بالشفاعة، فكذَّبوا٥ بها، وقالوا: لا سبيل لمن دخل النَّار إلى الخروج منها بشفاعة ولا غيرها. ولما بهرتهم نصوصُ الشفاعة، وصاح بهم أهلُ السنَّة وأئمة الإسلام من كل قطر وجانب، ورموهم بسهام الردّ عليهم، أحالوا بالشفاعة على زيادة الثواب فقط، لا على الخروج من النار. فردّوا السنَّة المتواترة قطعًا، وصاروا مضغة في أفواه الأمة وعارًا في فِرَقها. فإنَّ أمر الشفاعة أظهر عند الأمة من أن يقبل شكًّا أو نزاعًا، وهو عندهم مثل الصراط والحساب ونحوهما مما يُعلَم إخبار الرسول ﷺ به قطعًا. ولكن إنَّما أُتِيَ القومُ لأنَّهم في غاية

  1. (١) "ب، ك، ط": "حكمته".
  2. (٢) "ك، ط": "سببًا"، تحريف.
  3. (٣) "ك، ط": "الطريق"، خطأ.
  4. (٤) "ط": "جمع النصوص"، تحريف.
  5. (٥) "ط": "وكذّبوا".
839

البعد عمَّا جاءَ به الرسول ﷺ، أجانبُ منه١، ليسوا من الورثة.

وأمَّا الخوارج فكذَّبوا الصحابةَ صريحًا. وأمَّا المرجئة فإنَّهم يجوّزون أن لا يدخل النار أحد من أهل التوحيد. وهذا خلاف٢ المعلوم المتواتر من نصوص السنَّة بدخول بعض أهل الكبائر النار ثم خروجهم منها بالشفاعة. ومع هذا التواتر الذي لا يمكن دفعه، لا يجوز أن يقال بجواز أن لا يدخل أحد منهم النار، بل لا بدَّ من دخول بعضهم، وذلك البعض هو الذي خفَّت موازينه ورجحت سيئاته، كما قاله٣ الصحابة ﵃. وحكى أبو محمد بن حزم هذا إجماعًا من أهل السنة٤.

ولولا أنَّ المقصود ذكر الطبقات لذكرنا ما لهذه المذاهب وما عليها، وبيّنَّا تناقض أهلها، وما وافقوا فيه الحقّ وما خالفوه بالعلم والعدل لا بالجهل والظلم. فإنَّ كل طائفة منها معها حقّ وباطل، فالواجب موافقتهم فيما قالوه من الحقّ، وردّ ما قالوه من الباطل. ومن فتح اللَّه له بهذه الطريق فقد فتح له من العلم والذين كل باب، ويسَّر عليه فيهما الأسباب. وباللَّه٥ المستعان.

الطبقة الرَّابعة عشرة٦: قوم لا طاعة لهم ولا معصية، ولا كفر ولا إيمان، وهؤلاء أصناف: منهم من لم تبلغه الدعوة بحال ولا سمع

  1. (١) "ط": "عنه".
  2. (٢) "ط": "بخلاف".
  3. (٣) "ك، ط": "قال".
  4. (٤) في كتابه: الدرّة فيما يجب اعتقاده (٣٤٠).
  5. (٥) "ط": "واللَّه".
  6. (٦) في الأصل: "عشر". وكذا في "ف، ك". والمثبت من "ب، ط".
840

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي