لها بخبر. ومنهم المجنون الذي لا يعقل شيئًا ولا يميّز. ومنهم الأصمّ الذي لا يسمع شيئًا أبدًا. ومنهم أطفال المشركين الذين ماتوا قبل أن يميّزوا شيئًا، فاختلفت الأمة في حكم هذه الطبقة اختلافًا كثيرًا. والمسألة التي وسَّعوا فيها الكلام هي مسألة أطفال المشركين.
وأمَّا أطفال المسلمين، فقال الإمام أحمد: لا يختلف فيهم أحد. يعني أنَّهم في الجنَّة١. [وحكى ابن عبد البرّ عن جماعة أنَّهم توقَّفوا فيهم، وأنَّ جميع الولدان تحت المشيئة قال: وذهب إلى هذا القول جماعة كثيرة من أهل الفقه والحديث منهم حمَّاد بن زيد]٢ وحمَّاد بن سلمة، وابن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم. قال٣: وهو يشبه٤ ما رسم مالك في موطّئه في أبواب القدر وما أورده من الأحاديث في ذلك، وعلى ذلك أكثر أصحابه. وليس عن مالك فيه شيء منصوص إلا أنَّ المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنَّة، وأطفال المشركين خاصَّة في المشيئة٥.
(١) نحوه في أحكام أهل الذمة (٦١٠). وانظر قول الإمام أحمد في المغني (١٣/ ٢٥٤).
(٢) مكان ما بين الحاصرتين بياض في "ف". وقال ناسخها: "وفي حاشية الأصل بخطّ المؤلف ﵀ أسطار مصحح على آخرها، ذهب الأول منها تأكّلًا على طرف الورقة. أخلى الكاتب له تحت هذا السطر موضعًا وكتب ما وجد بعده". وهو كما قال. والمثبت من "ب، ك، ط".
(٣) "ب، ك، ط": "قالوا". وسقط "وغيرهم" من "ك، ط".
(٤) "ك، ط": "شبه"، تحريف.
(٥) التمهيد (١٨/ ١١٢). ونبّه المصنِّف في أحكام أهل الذمة (٦١٨) على أنّ ابن عبد البر اضطرب في النقل في هذه المسألة، فإنه قال في موضعٍ آخر في التمهيد نفسه (٦/ ٣٤٨ - ٣٤٩): "قد أجمع العلماء على أن أطفال المسلمين في =
وأمَّا أطفال المشركين فللنَّاس فيهم ثمانية مذاهب١:
أحدها: الوقف فيهم، وترك الشهادة بأنَّهم في الجنَّة أو في النار، بل يوكل علمهم إلى اللَّه تعالى، ويقال: اللَّه أعلم بما٢ كانوا عاملين. واحتجّ هؤلاء بحجج:
منها ما خرَّجا٣ في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه وينصّرانه٤، كما تنتج البهيمة من بهيمة جمعاءَ، هل تحسّ٥ فيها من جدعاء؟ ". قالوا: يا رسول اللَّه، أفرأيتَ من يموت وهو صغير؟ قال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين"٦.
ومنها ما في الصحيحين أيضًا عن ابن عباس أنَّ النبيّ ﷺ سُئِلَ عن
= الجنة، ولا أعلم عن جماعتهم في ذلك خلافًا إلّا فرقة شذت من المجبرة فجعلتهم في التيه، وهو قول شاذ مهجور مردود بإجماع أهل الحجة الَّذين لا يجوز مخالفتهم، ولا يجوز على مثلهم الغلط في مثل هذا، إلى ما روي عن النبيّ ﷺ من أخبار الآحاد الثقات". عقب ابن القيم على ذلك، ومما قال: "وهذا من السهو الذي هو عرضة للإنسان، وربّ العالمين هو الذي لا يضلّ ولا ينسى".
(١) عقد المؤلف فصلًا طويلًا في هذا الموضوع في كتابه أحكام أهل الذمة (١٠٨٦ - ١١٣٠) أيضًا. وانظر: حاشيته على السنن (ذيل عون المعبود ١٢/ ٣٢٠) ودرء التعارض لشيخه (٨/ ٤٣٥ - ٤٣٨).
(٢) "ك، ط": "ما".
(٣) "ب": "خرجه البخاري ومسلم في صحيحهما". "ط": "أخرجاه".
(٤) "ط": "أو ينصّرانه".
(٥) "ط": "يحس".
(٦) البخاري في القدر (٦٥٩٩) وغيره، ومسلم في القدر (٢٦٥٨).