طريق الهجرتين

أولاد المشركين، فقال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين"١.

وفي صحيح أبي حاتم ابن حبان من حديث جرير بن حازم قال: سمعت أبا رجاء العُطاردي، قال: سمعت ابن عبَّاس٢ يقول وهو على المنبر: قال رسول اللَّه ﷺ: "لا يزال أمر هذه الأمة مُؤامًّا٣ -أو مقاربًا- ما لم يتكلَّموا في الولدان والقدر". قال أبو حاتم: "الولدان" أراد به أطفال المشركين٤.

وفي استدلال هذه الفرقة على ما ذهبت إليه من الوقف بهذه النصوص نظر. فإنَّ النبيّ ﷺ لم يُجِبْ فيهم بالوقف، وإنَّما وكل علمَ ما كانوا يعملون لو عاشوا إلى اللَّه. والمعنى: اللَّه أعلم بما كانوا يعملون لو عاشوا. فهو سبحانه يعلم القابلَ منهم للهدى العاملَ به لو عاش، والقابلَ منهم للكفر المؤثرَ له لو عاش. لكن لا يدلّ هذا على أنَّه سبحانه يجزيهم بمجرَّد علمه فيهم بلا عمل يعملونه، وإنَّما يدلّ على أنَّه يعلم منهم ما هم عاملون بتقدير حياتهم. وهذا الجواب خرج من النبيّ٥ ﷺ على وجهين:

  1. (١) البخاري (٦٥٩٧)، ومسلم (٢٦٥٩) في القدر.
  2. (٢) "العطاردي. . . " إلى هنا ساقط من "ط". وكذا من "ك" إلّا "العطاردي".
  3. (٣) أي: مقاربًا. وفي "ك، ط": "قوامًا"، ولعله تحريف.
  4. (٤) أخرجه ابن حبان (٦٧٢٤)، والحاكم (١/ ٣٣) من حديث ابن عباس مرفوعًا.
    قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولا نعلم له علّة". وسيأتي قول المصنف إن الناس رووه موقوفًا على ابن عباس، وهو الأشبه. انظر: القدر للفريابي (٢٥٨، ٢٥٩) والسنة لعبد اللَّه (٨٧٠) واللالكائي (١١٢٧) وغيره. (ز).
  5. (٥) "ك، ط": "عن النبي".
843

أحدهما: جواب لهم إذ سألوه عنهم: ما حكمهم؟ فقال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". وهو في هذا الوجه يتضمَّن أنَّ اللَّه سبحانه يعلم من يؤمن منهم ومن يكفر، بتقدير الحياة. وأمَّا المجازاة على العلم، فلم يتضمّنها جوابُه ﷺ. وفي صحيح أبي عوانة الإسفراييني عن هلال بن خبَّاب١ عن عكرمة عن ابن عباس: كان النبيّ ﷺ في بعض مغازيه، فسأله رجل: ما تقول في اللاهين؟ فسكت عنه. فلمَّا فرغ من غزوة الطائف إذا هو بصبيّ يبحث في الأرض، فأمر مناديه فنادى: أين السائل عن اللاهين؟ فأقبل الرجل. فنهى رسول اللَّه ﷺ عن قتل الأطفال، وقال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين"٢.

والوجه الثاني: جواب لهم حين أخبرهم أنَّهم من آبائهم، فقالوا: بلا عمل؟ فقال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". كما روى أبو داود٣ عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول اللَّه، ذراريّ المؤمنين؟ فقال٤: "من آبائهم". فقلت٥: يا رسول اللَّه، بلا عمل؟ قال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". قلت: يا رسول اللَّه، فذراريّ المشركين؟ قال:

  1. (١) "ب": "حيان". "ك": "حبان"، وكلاهما تحريف.
  2. (٢) أخرجه الفريابي في القدر (١٧٥)، والطبراني في الأوسط (٢٠١٨)، والكبير (١١٩٠٦). قال الهيثمي: "وفيه هلال بن خباب وهو ثقة، وفيه خلاف، وبقية رجاله رجال الصحيح". (ز).
  3. (٣) في السنن (٤٧١٢)، وأحمد (٢٤٥٤٥)، والفريابي في القدر (١٦٨)، والطبراني في مسند الشاميين (٨٤٣)، واللالكائي (١٠٩١) وغيرهم. وسنده حسن. (ز).
  4. (٤) "ك، ط": "قال".
  5. (٥) "ك، ط": "قلت".
844

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي