أحدهما: جواب لهم إذ سألوه عنهم: ما حكمهم؟ فقال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". وهو في هذا الوجه يتضمَّن أنَّ اللَّه سبحانه يعلم من يؤمن منهم ومن يكفر، بتقدير الحياة. وأمَّا المجازاة على العلم، فلم يتضمّنها جوابُه ﷺ. وفي صحيح أبي عوانة الإسفراييني عن هلال بن خبَّاب١ عن عكرمة عن ابن عباس: كان النبيّ ﷺ في بعض مغازيه، فسأله رجل: ما تقول في اللاهين؟ فسكت عنه. فلمَّا فرغ من غزوة الطائف إذا هو بصبيّ يبحث في الأرض، فأمر مناديه فنادى: أين السائل عن اللاهين؟ فأقبل الرجل. فنهى رسول اللَّه ﷺ عن قتل الأطفال، وقال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين"٢.
والوجه الثاني: جواب لهم حين أخبرهم أنَّهم من آبائهم، فقالوا: بلا عمل؟ فقال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". كما روى أبو داود٣ عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول اللَّه، ذراريّ المؤمنين؟ فقال٤: "من آبائهم". فقلت٥: يا رسول اللَّه، بلا عمل؟ قال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". قلت: يا رسول اللَّه، فذراريّ المشركين؟ قال:
(١) "ب": "حيان". "ك": "حبان"، وكلاهما تحريف.
(٢) أخرجه الفريابي في القدر (١٧٥)، والطبراني في الأوسط (٢٠١٨)، والكبير (١١٩٠٦). قال الهيثمي: "وفيه هلال بن خباب وهو ثقة، وفيه خلاف، وبقية رجاله رجال الصحيح". (ز).
(٣) في السنن (٤٧١٢)، وأحمد (٢٤٥٤٥)، والفريابي في القدر (١٦٨)، والطبراني في مسند الشاميين (٨٤٣)، واللالكائي (١٠٩١) وغيرهم. وسنده حسن. (ز).
(٤) "ك، ط": "قال".
(٥) "ك، ط": "قلت".
"هم من آبائهم". فقلت: يا رسول اللَّه، بلا عمل؟ قال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين"١. ففي هذا الحديث ما يدلّ على أنَّ الذين يلحقون بآبائهم منهم هم الذين علم اللَّه أنَّهم لو عاشوا لاختاروا الكفر وعملوا به، فهؤلاء مع آبائهم. ولا يقتضي أنَّ كلّ واحدٍ من الذرية مع أبيه في النَّار، فإنَّ الكلام في هذا الجنس سؤالًا وجوابًا، والجواب يدل على التفصيل. فإنَّ قوله: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين" يدلّ على أنَّهم متباينون في التبعية، بحسب تباينهم٢ في معلومِ اللَّه فيهم.
يبقى٣ أن يقال: فالحديث يدل على أنَّهم يلحقون بآبائهم من غير عمل، ولهذا فهمت ذلك منه عائشة فقالت: بلا عمل؟ فأقرَّها عليه، وقال٤: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين".
ويجاب عن هذا بأنَّ الحديث إنَّما دل على أنَّهم يلحقون بهم بلا عمل عملوه٥ في الدنيا، وهو الذي فهمته عائشة. ولا ينفي هذا أن يلحقوا بهم بأسباب أُخر يمتحنهم بها في عرصات القيامة، كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه. فحينئذٍ يلحقون بآبائهم ويكونون منهم بلا عمل عملوه في الدنيا. وعائشة ﵂ إنَّما استشكلت لحاقهم بهم بلا عمل عملوه مع الآباء، وأجابها النبيّ ﷺ بأنَّ اللَّه سبحانه يعلم منهم ما هم عاملوه. ولم يقل لها: إنَّه يعذِّبهم بمجرَّد علمه فيهم. وهذا ظاهر بحمد
(١) "قلت: يا رسول اللَّه، فذراري المشركين. . . " إلى هنا ساقط من "ط".