وأمَّا حديث أبي رجاء العطاردي عن ابن عباس، ففي القلب من رفعه شيء، وإن أخرجه ابن حبَّان في صحيحه١. وهو يدلّ على ذمِّ من تكلَّم فيهم بغير علم، أو ضرَبَ النصوص بعضها ببعض فيهم، كما ذمَّ من تكلَّم في القدر بمثل ذلك. وأمَّا من تكلَّم فيهم بعلم وحقٍّ فلا.
المذهب الثاني: أنَّهم في النَّار. وهذا قول جماعة من المتكلّمين وأهل التفسير، وأحد الوجهين لأصحاب أحمد، وحكاه القاضي نصًّا عن أحمد٢.
واحتجَّ هؤلاء بحديث عائشة المتقدّم، واحتجُّوا بما رواه أبو عقيل يحيى بن المتوكِّل، عن بُهَيَّة، عن عائشة: سألت رسول اللَّه ﷺ عن أولاد
(١) زاد المصنف في أحكام أهل الذمة: "والناس إنما رووه موقوفًا عليه وهو الأشبه، وابن حبان كثيرًا ما يرفع في كتابه ما يعلم أئمة الحديث أنَّه موقوف، كما رفع قول أبي بن كعب: "كل حرف في القرآن في القنوت فهو الطاعة". وهذا لا يشبه كلام رسول اللَّه ﷺ، وغايته أن يكون كلام أبي. . . ".
(٢) قال المصنف في حاشيته على السنن (١٢/ ٣٢): "حكاه القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد. قال شيخنا: هو غلط منه على أحمد، وسبب غلطه أن أحمد سئل عنهم، فقال: هم على الحديث. قال القاضي: أراد حديث خديجة إذ سألت النبي ﷺ عن أولادها الَّذين ماتوا قبل الإسلام فقال: "إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار". قال شيخنا: وهذا حديث موضوع، وأحمد أجلّ من أن يحتج بمثله. وإنما أراد حديث عائشة: "واللَّه أعلم بما كانوا يعملون". ولفظ شيخ الإسلام في درء التعارض (٨/ ٣٩٨): "هذا حديث موضوع كذب، لا يحتج بمثله أقل من صحب أحمد، فضلًا عن الإمام أحمد". وانظر: المغني (١٣/ ٢٥٤)، ومجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٧٢)، ومنهاج السنة (٢/ ٣٠٦)، والردّ على الشاذلي (٨٠ - ٨١)، وأحكام أهل الذمة (٦٢٦).
المسلمين أين هم؟ قال: "في الجنة". وسألته عن أولاد المشركين أين هم يوم القيامة؟ قال: "في النار". فقلت: لم يدركوا الأعمال ولم تَجْرِ عليهم الأقلام؟ قال: "ربك أعلم بما كانوا عاملين"١.
قلت: يحيى بن المتوكل لا يُحتجُّ بحديثه، فإنَّه في غاية من الضعف. وأمَّا حديث عائشة المتقدّم فهو من حديث عمر بن ذرّ، وتفرَّد به عن يزيد بن أبي أميّة٢ أنَّ البراءَ بن عازب أرسل إلى عائشة يسألها عن الأطفال، فذكرت الحديث. هكذا قال سلم٣ بن قتيبة عنه٤. وقال غيره: عن عمر بن ذرّ عن يزيد عن رجل عن البراءِ٥.
ورواه الإمام أحمد في مسنده٦ من حديث عتبة بن ضمرة بن
(١) أخرجه أحمد في المسند (٢٥٧٤٣) مختصرًا، والطيالسي في مسنده (١٦٨١)، وابن عدي في الكامل (٢٠٧) وغيرهم. والحديث باطل منكر، وهو من منكرات يحيى بن المتوكل أبي عقيل قال أحمد فيه: "أحاديثه عن بهية عن عائشة منكرة، لم يرد ما روى عنها إلّا وهو واهي الحديث". والحديث تكلم فيه ابن عدي وابن الجوزي والذهبي وابن حجر والسيوطي وغيرهم. انظر: العلل المتناهية (١٥٤١) والبدور السافرة للسيوطي (١٢٦٣) والفتح (٣/ ٤٢٦) والتمهيد (١٨/ ١٢٢). (ز).
(٢) كذا في الأصل وغيره. وكذا في حاشيته على السنن (١٢/ ٣١٦)، وأحكام أهل الذمة (٦٢٤). والصواب: يزيد بن أمية. انظر لسان الميزان (٧/ ٤٣٩). وفي "ط": "يزيد عن أبي أمية"، غلط.
(٣) "ف، ب": "مسلم"، وكذا في "ط" وأحكام أهل الذمة (٦٢٤). والصواب ما أثبتنا من الأصل. وكذا في "ك". وهو سلم بن قتيبة الشعيري أبو قتيبة الخراساني الفريابي، نزيل البصرة. انظر: تهذيب التهذيب (٤/ ١٣٣).