أصلُها ثابتٌ في القلب، وفروعُها من١ الكلام الطيّب والعمل الصالح في السماءِ، فلا تزال هذه الشجرةُ تُخرِجُ ثمرَها كلَّ وقتٍ بإِذن ربِّها من طيّب القول وصالح العمل ممَّا تقرُّ به عينُ٢ صاحب الأصل وعيونُ حفظته وعيونُ أهله وأصحابه ومَن قرُبَ منه. فإنَّ من قرَّت عينُه باللَّه قرَّت به كلُّ عين، وأَنِسَ به كلُّ مستوحش، وطاب به كلُّ خبيث، وفرِحَ به كلُّ حزين، وأمِنَ به كلُّ خائف، وشهد به كلُّ غائب، وذكَّرتْ رؤيتُه باللَّه، فإذا رُئِيَ ذُكِرَ اللَّه.
قد اطمأنَّ٣ قلبُه باللَّه٤، وسكنت نفسُه إلى اللَّه، وخلصتْ محبته للَّه، وقصَرَ خوفَه من اللَّه٥، وجعل رجاءَه كلَّه للَّه. فإن سمع سمع باللَّه، وإن أبصرَ أبصرَ باللَّه، وإن بطش بطش باللَّه، وإن مشى مشى باللَّه. فبه يسمع، وبه يبصر، وبه يبطش، وبه يمشي. فإذا أحبَّ أحبَّ اللَّه، وإذا أبغضَ أبغض للَّه٦، وإذا أعطى فللّه، إذا منع فللّه.
فله٢ في كلِّ وقتٍ هجرتان٣: هجرةٌ إلى اللَّه بالطلب والمحبة، والعبودية والتوكل والإنابة، والتسليم والتفويض، والخوف والرجاء، والإقبال عليه، وصدق اللَّجأ والافتقار في كلِّ نفس إليه. وهجرةٌ إلى رسوله في حركاته وسكناته الظاهرة والباطنة، بحيث تكون موافقةً لشرعه الذي هو تفصيلُ محابِّ اللَّه ومرضاته، ولا يقبل اللَّه من أحد دينًا سواه، وكل عملٍ سواهُ فعيشُ النفس وحظُّها لا زادُ المعاد.
وقد قال شيخ الطريقة وإمام الطائفة الجنيد بن محمد قدَّس اللَّه روحه: الطرق كلها مسدودة إلا طريقَ من اقتفى آثارَ النبي ﷺ، فإنَّ اللَّه ﷿ يقول: "وعزَّتي وجلالي لو أتوني من كلِّ طريقٍ، واستفتحوا٤ من كل بابٍ، لما فتحتُ لَهُمْ حتَّى يدخلوا خلفك"٥.
وقال بعض العارفين: "كل عملٍ بلا متابعة فهو عيش النفس"٦.
(١) "ط": " إفراد"، خطأ.
(٢) "ط": "وله".
(٣) انظر نحو ذلك في مدارج السالكين (٢/ ٥٢٠)، والكافية الشافية (٨٧٠)، والرسالة التبوكية (١٦ - ٢٧).
(٤) "ك": "واستفتحوني".
(٥) قول الجنيد في طبقات الصوفية للسلمي (١٥٩)، وحلية الأولياء (١٠/ ٢٧٦)، ونقله شيخ الإسلام في الاستقامة (١/ ٩٧، ٢٤٩). والمؤلف في مدارج السالكين (٢/ ٥٢١). أمَّا "الأثر الإلهي" فأورده المؤلف في جلاء الأفهام (٣٥٩).
(٦) من كلام سهل بن عبد اللَّه التستري، كما في الرسالة القشيرية (٤٠١)، وانظر مدارج السالكين (٢/ ٥٢١)، والاستقامة (١/ ٩٥، ٢٤٩)، ومنهاج السنة (٣٣١).