الظَّالِمِينَ (٧٦)﴾ [الزخرف/ ٧٦] إلى غير ذلك من النصوص.
قالوا: وقد أخبر النبيّ ﷺ أنَّ كلَّ مولود يولد على الفطرة، وإنَّما يهوّده وينصّره أبواه، فإذا مات قبل التهويد والتنصير مات على الفطرة، فكيف يستحقّ النار؟ وفي صحيح مسلم١ من حديث عياض بن حمار٢ عن النبيّ ﷺ قال: "يقول اللَّه تعالى: إنِّي خلقتُ عبادي حُنفاء، فأتتهم٣ الشياطينُ، فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحللتُ لهم".
وقال محمد بن إسحاق، عن ثور بن يزيد، عن يحيى بن جابر، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن عياض، عن النبي ﷺ قال: "إنَّ اللَّه خلق آدم وبنيه حنفاءَ مسلمين، وأعطاهم المال حلالًا لا حرامًا"، فزاد "مسلمين"٤.
قالوا: وأيضًا فإنَّ النَّار دار عدله تعالى، والجنَّة دار فضله، ولهذا٥ ينشئ للجنَّة من لم يعمل عملًا قطّ. وأمَّا النار فإنَّه لا يعذّب بها إلا من
(١) في كتاب الجنة (٢٨٦٥).
(٢) "ف": "حديث أبي هريرة"، وهو غير صحيح، ولكن لا ندري أكان هذا السهو في الأصل، أم ناسخ "ف" هو الذي سها، لأن قوله: "وفي صحيح مسلم. . . دينهم" جزء من لحق، ووقع في طرف الورقة، فضاع أو لم يظهر في الصورة. والمثبت من "ب، ك، ط".
(٣) "ب، ك، ط": "فجاءتهم".
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ ٩٩٧)، وسنده ضعيف، فيه عبد الرحمن بن عائذ، تابعي لا يدرى أسمع من عياض أم لا. وأيضًا فيه ابن إسحاق مدلس ولم يصرح بالتحديث. (ز).
(٥) "ب، ك، ط": "فلهذا"، قراءة محتملة.
عمل بعمل أهلها.
قالوا: وأيضًا فإنَّ النَّار دار جزاءٍ، فمن لم يعص اللَّه طرفةَ عين كيف يُجازى بالنَّار خالدًا مخلَّدًا أبد الآباد؟
قالوا: وأيضًا فلو عذّب هؤلاء لكان تعذيبهم إمَّا مع تكليفهم بالإيمان أو بدون التكليف، والقسمان ممتنعان: أمَّا الأوَّل فلاستحالة تكليف من لا تمييز له ولا عقل أصلًا. وأمَّا الثاني فممتنع١ أيضًا بالنصوص التي ذكرناها وأمثالها من أنَّ اللَّه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام٢ الحجَّة عليه.
قالوا: وأيضًا فلو كان تعذيب هؤلاء لأجل عدم الإيمان المانع من العذاب لاشتركوا هم وأطفال المسلمين في ذلك، لاشتراكهم في عدم الإيمان الفعلي علمًا وعملًا. فإن قلتم: أطفال المسلمين منعهم تبعهم لآبائهم من العذاب، بخلاف أطفال المشركين. قلنا: اللَّه تعالى لا يعذِّب أحدًا بذنب غيره. قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾[الأنعام/ ١٦٤] وقال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[يس/ ٥٤].
وهذه حجج كما ترى قوَّةً وكثرةً، ولا سبيل إلى دفعها. وسيأتي إن شاء اللَّه فصلُ النزاع في المسألة، والقولُ بموجَب٣ الحجج الصحيحة
(١) "ك، ط": "فيمتنع".
(٢) "ف": "إقامة"، خلاف الأصل.
(٣) "ك، ط": "في هذه المسألة والقول بموجب هذه. . . ".