طريق الهجرتين

كلّها، على عادتنا١ في مسائل الدين كلّها دِقّها وجِلّها أن نقول بموجَبها، ولا نضربَ بعضها ببعض؛ ولا نتعصَّب لطائفة على طائفة، بل نوافق كلّ طائفة على ما معها من الحقّ، ونخالفها فيما معها من خلاف الحقّ. لا نستثني من ذلك طائفةً ولا مقالةً، ونرجو من اللَّه أن نحيا على ذلك، ونموت عليه، ونلقَى اللَّه به، ولا قوَّة إلا باللَّه.

المذهب الرابع: أنَّهم في منزلة بين المنزلتين بين الجنَّة والنَّار، فإنَّهم ليس لهم إيمان يدخلون به الجنَّة، ولا لآبائهم فوز يلحق بهم أطفالهم تكميلًا لثوابهم وزيادةً في نعيمهم، وليس لهم من الأعمال ما يستحقون به دخول النار.

وهذا قول طائفة من المفسّرين. قالوا: وهم أهل الأعراف. وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: "هم الذين ماتوا في الفترة [وأطفال المشركين] "٢.

والقائلون بهذا إن أرادوا أنَّ هذا المنزل مستقرّهم أبدًا فباطل، فإنَّه لا دار للقرار إلا الجنَّة أو النَّار. وإن أرادوا أنَّهم يكونون فيه مدَّةً، ثمَّ يصيرون إلى دار القرار، فهذا ليس بممتنع.

المذهب الخامس: أنَّهم تحت مشيئة اللَّه تعالى، يجوز أن يعمّهم بعذابه، وأن يعمّهم برحمته، وأن يرحم بعضًا ويعذِّب بعضًا، بمحض

  1. (١) "ط": "على أن عادتنا".
  2. (٢) ما بين الحاصرتين زدناه من أحكام أهل الذمة (٦٤١). وهي زيادة لا بدّ منها ليتصل كلامه بالسياق. وعبد العزيز بن يحيى الكناني من أصحاب الشافعي، ينسب إليه كتاب الحيدة. وقد جرت بينه وبين بشر المريسيّ مناظرة في القرآن. طبقات السبكي (٢/ ١٤٤).
858

الإرادة والمشيئة. ولا سبيل إلى إثبات شيء من هذه الأقسام إلا بخبر يجب المصير إليه، ولا حكم فيهم إلا بمحض المشيئة.

وهذا قول الجبرية نفاة الحكمة والتعليل، وقول كثير من مثبتي القدر غيرهم١.

المذهب السادس: أنَّهم خدم أهل الجنَّة ومماليكهم، وهم معهم بمنزلة أرقَّائهم ومماليكهم في الدنيا.

واحتجّ هؤلاء بما رواه يعقوب بن عبد الرحمن القاريّ، عن أبي حازم المديني، عن يزيد الرقاشي، عن أنس؛ قال الدارقطني: ورواه عبد العزيز الماجشون، عن ابن المنكدر، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، عن النبيّ ﷺ قال: "سألتُ ربِّي اللاهين من ذرّية البشر أن لا يعذّبهم، فأعطانيهم، فهم خُدّام أهل الجنَّة"٢ يعني الصبيان. فهذه٣ طريقان، وله طريق ثالث عن فضيل بن سليمان٤، عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، عن أنس٥. قال ابن قتيبة: "اللاهون" من لهِيتُ عن الشيء إذا غفلت عنه. وليس هو من لهوت.

  1. (١) كذا في الأصل و"ف". ولعله يعني غير نفاة الحكمة. وفي "ك، ط": "وغيرهم" بواو العطف. وهو ساقط من "ب".
  2. (٢) أخرجه ابن الجعد (٢٩٠٦) وأبو يعلى (٢٠٥، ٤١٠١). والحديث ضعفه الهيثمي والمؤلف. (ز).
  3. (٣) كذا في الأصل و"ف، ب". وكذا في مخطوطة أحكام أهل الذمة (٦٤٣). وفي "ط": "فهذان". وفي "ك": "فهذه طريقة".
  4. (٤) في "ف، ب": "سلمان" هنا وفيما يأتي. والصواب ما أثبتنا من "ك، ط".
  5. (٥) أخرجه أبو يعلى (٣٥٧٠) والطبراني في الأوسط (٩٥٧). (ز).
859

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي