طريق الهجرتين

بعبادته ومحبته وخوفه ورجائه، وأفرَدَ١ رسوله بمتابعته والاقتداء به والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه.

فله٢ في كلِّ وقتٍ هجرتان٣: هجرةٌ إلى اللَّه بالطلب والمحبة، والعبودية والتوكل والإنابة، والتسليم والتفويض، والخوف والرجاء، والإقبال عليه، وصدق اللَّجأ والافتقار في كلِّ نفس إليه. وهجرةٌ إلى رسوله في حركاته وسكناته الظاهرة والباطنة، بحيث تكون موافقةً لشرعه الذي هو تفصيلُ محابِّ اللَّه ومرضاته، ولا يقبل اللَّه من أحد دينًا سواه، وكل عملٍ سواهُ فعيشُ النفس وحظُّها لا زادُ المعاد.

وقد قال شيخ الطريقة وإمام الطائفة الجنيد بن محمد قدَّس اللَّه روحه: الطرق كلها مسدودة إلا طريقَ من اقتفى آثارَ النبي ﷺ، فإنَّ اللَّه ﷿ يقول: "وعزَّتي وجلالي لو أتوني من كلِّ طريقٍ، واستفتحوا٤ من كل بابٍ، لما فتحتُ لَهُمْ حتَّى يدخلوا خلفك"٥.

وقال بعض العارفين: "كل عملٍ بلا متابعة فهو عيش النفس"٦.

  1. (١) "ط": " إفراد"، خطأ.
  2. (٢) "ط": "وله".
  3. (٣) انظر نحو ذلك في مدارج السالكين (٢/ ٥٢٠)، والكافية الشافية (٨٧٠)، والرسالة التبوكية (١٦ - ٢٧).
  4. (٤) "ك": "واستفتحوني".
  5. (٥) قول الجنيد في طبقات الصوفية للسلمي (١٥٩)، وحلية الأولياء (١٠/ ٢٧٦)، ونقله شيخ الإسلام في الاستقامة (١/ ٩٧، ٢٤٩). والمؤلف في مدارج السالكين (٢/ ٥٢١). أمَّا "الأثر الإلهي" فأورده المؤلف في جلاء الأفهام (٣٥٩).
  6. (٦) من كلام سهل بن عبد اللَّه التستري، كما في الرسالة القشيرية (٤٠١)، وانظر مدارج السالكين (٢/ ٥٢١)، والاستقامة (١/ ٩٥، ٢٤٩)، ومنهاج السنة (٣٣١).
9

ولمَّا كانت السعادة دائرةً -نفيًا وإثباتًا- مع ما جاءَ به كان جديرًا بمن نصح نفسه أن يجعل لحظات عمره وقفًا على معرفته، وإرادتَه مقصورةً على محابّه، وهذه١ أعلى همَّة شمَّرَ إليها السابقون، وتنافسَ فيها المتنافسون. فلا جرمَ ضمَّنَّا هذا الكتابَ قواعدَ من سلوك طريق٢ الهجرة المحمدية. وسمّيناه "طريق الهجرتين، وباب السعادتين". وابتدأناه بباب الفقر والعبودية، إذ هو باب السعادة الأعظم٣ وطريقها الأقوم الذي لا سبيل إلى دخولها إلا منه. وختمناه بذكر طبقات المكلَّفين من الجن والإنس في الآخرة ومراتبهم في دار السعادة والشقاء٤. فجاء الكتاب غريبًا فرب معناه، عجيبًا في مغزاه، لكلِّ قومٍ منه نصيب، ولكلِّ واردٍ منه شِرْب٥. وما كان فيه من حق وصوابٍ فمن اللَّه، هو المانُّ به، فإنَّما٦ التوفيق بيده. وما كان فيه من خطأ وزللٍ٧ فمنِّي ومن الشيطان، واللَّه ورسوله منه بريء٨.

فيا أيها القارئ له والناظر فيه، هذه بضاعةُ صاحبه٩ المزجاةُ مسوقةٌ إليك، وهذا فهمه وعقلُه معروضٌ عليك. لك غُنْمُه، وعلى مؤلفه

  1. (١) "ط": "وهذا".
  2. (٢) "طريق": ساقط من "ك، ط".
  3. (٣) "الأعظم": ساقط من "ط".
  4. (٤) "ط": "الشقاوة".
  5. (٥) "ط": "مشرب".
  6. (٦) "ط": "فإن".
  7. (٧) "خطأو" ساقط من "ط".
  8. (٨) ط: "براء". والذي ورد في الأصل وغيره صحيح في العربية.
  9. (٩) "ك، ط": "صاحبه".
10

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي