الدجّال ومعه مثال الجنة والنار أن يقعوا في الذي يرونه نارًا١. الثاني: أنَّهم لو أطاعوه ودخلوها لم يضرّهم، وكانت بردًا وسلامًا، فلم يكلَّفوا بممتنع ولا بما يشقّ٢.
السابع: أنَّه قد ثبت أنَّه سبحانه يأمرهم في القيامة بالسجود ويحول بين المنافقين وبينه٣، وهذا تكليف بما ليس في الوسع قطعًا، فكيف ينكر التكليف بدخول النَّار في رأي العين إذا كان سببًا٤ للنجاة؟ كما٥ جعل قطع الصراط الذي هو أدقّ من الشعرة وأحدّ من السيف سببًا للنجاة٦، كما قال أَبو سعيد الخدري: "بلغني أنَّه أدقّ من الشعرة وأحدّ من السيف" رواه مسلم٧. فركوب هذا الصراط الذي هو في غاية المشقة كالنّار، ولهذا كلاهما يفضى منه إلى النجاة. واللَّه أعلم٨.
(١) كما في حديث حذيفة ﵁. أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٤٥٠) ومسلم في الفتن (٢٩٣٤).
(٢) "ط": "بما لم يستطع".
(٣) يشهد له ما أخرجه مسلم (١٨٥) من حديث أبي هريرة. (ز).
(٤) في "ف": "إذا سببًا"، وفوقها: "ينظر". ومعنى ذلك أنه كذا في الأصل. والمثبت من "ب". وفي "ك، ط": "كانت".
(٥) من قوله "فكيف ينكر" إلى هنا لم يظهر في مصورة الأصل.
(٦) "سببًا للنجاة" مكتوب في الأصل فوق السطر، وقد انتشر الحبر أيضًا، فسقط من "ف". وقوله: "سببًا. . . " إلى "من السيف" ساقط من "ب". و"للنجاة" ساقط من "ط".
(٧) في كتاب الإيمان (١٨٣).
(٨) كتب هنا في الأصل: "تمت". ولعل المؤلف أراد أن يختم هنا وجوه الردّ على كلام ابن عبد البر، وأن يكون ذلك آخر اللحق الطويل الذي بدأ من قوله "فإن قيل، قد أنكر ابن عبد البر"، ثمَّ بدا له أن يضيف الثامن والتاسع.
الثامن: أنَّ هذا استبعاد مجرَّد لا تُرَدّ بمثله الأحاديث. والنَّاس لهم طريقان: فمن سلك طريق المشيئة المجرَّدة١ لم يمكنه أن يستبعد هذا التكليف، ومن سلك طريق الحكمة والتعليل لم يكن معه حجَّة تنفي أن يكون هذا التكليف موافقًا للحكمة٢؛ بل الأدلَّة الصحيحة تدلّ على أنَّه مقتضى الحكمة كما ذكرناه.
التاسع: أنَّ في أصحّ هذه الأحاديث -وهو حديث الأسود- أنَّهم يعطُون ربّهم المواثيقَ ليُطيعُنَّه فيما يأمرهم به، فيأمرهم أن يدخلوا نار الامتحان، فيتركون٣ الدخول معصيةً لأمره، لا لعجزهم عنه. فكيف يقال إنَّه ليس في الوسع؟٤.
فإن قيل: فالآخرة دار جزاءٍ، وليست دار تكليف، فكيف يمتحنون في غير دار التكليف؟
فالجواب: أنَّ التكليف إنَّما ينقطع بعد دخول دار القرار، وأمَّا في البرزخ وعرصات القيامة فلا ينقطع. وهذا معلوم بالضرورة من الدين من وقوع التكليف بمسألة الملكين في البرزخ، وهي تكليف. وأمَّا في عرصة
(١) بين كلمة "المجرّدة" و"لم يمكنه" بياض في "ف" بقدر ستّ كلمات، ولعل ناسخها ظنّ أن هذه الكلمات ذهب بها تأكّل الورقة من أسفلها، فترك بياضًا في نسخته. و"لم يمكنه. . . " إلى آخره مكتوب في طرف الحاشية اليسرى من الأصل، والظاهر أن الكلام متصل ولم يسقط منه شيء. ولا يوجد بياض في "ب، ك".
(٢) "ك، ط": "للحكم".
(٣) في الأصل: "فيتركوا"، وكذا في "ف، ك"، وهو سهو، والمثبت من "ب، ط".
(٤) هنا انتهى الاستدراك الطويل الذي بدأ في ص (٨٥٩) من قوله: "وقد رويت له أحاديث"، مع إضافات أخرى.