طريق الهجرتين

الطبقة الخامسة عشرة١: طبقة الزنادقة. وهم قومٌ أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة اللَّه ورسله. وهؤلاء هم٢ المنافقون، وهم في الدرك الأسفل من النَّار. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء/ ١٤٥]. فالكفَّار المجاهرون بكفرهم أخفّ٣، وهم فوقهم في دركات النَّار؛ لأنَّ الطائفتين اشتركتا في الكفر ومعاداة اللَّه ورسله، وزادت٤ المنافقون عليهم بالكذب والنفاق. وبليّة المسلمين بهم أعظم منن بليَّتهم بالكفَّار المجاهرين، ولهذا قال تعالى في حقّهم: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون/ ٤].

ومثل٥ هذا اللفظ يقتضي الحصر، أي: لا عدوّ إلا هم. ولكن لم يرد ههنا حصر العداوة فيهم٦ وأنَّهم لا عدوّ للمسلمين سواهم، بل هذا من باب٧ إثبات الأولوية والأحقّية لهم في هذا الوصف، وأنَّه لا يتوهّم بانتسابهم إلى المسلمين ظاهرًا وموالاتهم لهم ومخالطتهم إيَّاهم أنَّهم

  1. = الذمة (٦٤٧ - ٦٤٨) قول ثمامة وما نقل عن ابن عباس على أنهما مذهبان مستقلَّان، فصارت في المسألة عشرة مذاهب.
  2. (١) في الأصل: "عشر" بالتذكير، ولعله سهو. وكذا في غيره إلَّا "ط".
  3. (٢) "هم" ساقط من "ط".
  4. (٣) أي: أخف عذابًا. وفي "ف": "أخفّ فوقهم"، فاسقط ناسخها "وهم"، وكتب فوق "أخف" علامة "ظ" أي: انظر. وكذا في "ك" لأنها لانتشار الحبر تبدو كأنها مضروب عليها. وفي "ب": "أخفت عذابًا منهم لكونهم فوقهم" وكأنها إصلاح لما في الأصل.
  5. (٤) "ط": "زاد".
  6. (٥) قراءة "ف": "وقيل". ولعل الصواب ما أثبتنا من غيرها.
  7. (٦) "ف": "منهم"، خطأ.
  8. (٧) "باب" ساقط من "ك، ط".
878

ليسوا بأعدائهم، بل هم أحقّ بالعداوة ممن باينهم في الدار، ونصب لهم العداوة وجاهرهم بها. فإنَّ ضرر هؤلاء المخالطين لهم المعاشرين١ لهم -وهم في الباطن على خلاف دينهم- أشدّ عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة وألزم وأدوم، لأنَّ الحرب مع أولئك ساعة أو أيامًا ثمَّ ينقضي، ويعقبه النصر والظفر؛ وهؤلاء معهم في الديار والمنازل صباحًا ومساءً، يدلّون العدوَّ على عوراتهم، ويتربَّصون بهم الدوائر، ولا يمكنهم مناجزتهم. فهم أحقّ بالعداوة من المباين المجاهر، فلهذا قيل: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ لا على معنى أنَّه لا عدوّ لكم سواهم، بل على معنى أنَّهم أحقّ بأن يكونوا لكم عدوًّا من الكفَّار المجاهرين.

ونظير ذلك قول النبيّ ﷺ "ليس المسكين بهذا٢ الطوَّاف الذي ترذه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يسأل النَّاس، ولا يُفطَنُ له فيُتصدّق عليه"٣. فليس هذا نفيًا لاسم المسكين عن الطوَّاف، بل إخبارٌ بأنَّ هذا القانع الذي لا يسمّونه مسكينًا أحقّ بهذا الاسم من الطوَّاف الذي يسمّونه مسكينًا.

ونظيره قوله: "ليس الشديد بالصُّرَعة، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب"٤. ليس نفيًا للاسم عن الصرعة، ولكن إخبار بأنَّ من يملك

  1. (١) "ف": "المباشرين"، سهو، فإنّ الأصل واضح.
  2. (٢) "بهذا" ساقط من "ب، ك، ط".
  3. (٣) من حديث أبي هريرة ﵁. أخرجه البخاري (١٤٧٩)، ومسلم في الزكاة (١٠٣٩).
  4. (٤) أخرجه البخاري في الأدب (٦١١٤)، ومسلم في البرّ والصلة (٢٦٠٩) عن أبي هريرة ﵁.
879

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي