طريق الهجرتين

ليسوا بأعدائهم، بل هم أحقّ بالعداوة ممن باينهم في الدار، ونصب لهم العداوة وجاهرهم بها. فإنَّ ضرر هؤلاء المخالطين لهم المعاشرين١ لهم -وهم في الباطن على خلاف دينهم- أشدّ عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة وألزم وأدوم، لأنَّ الحرب مع أولئك ساعة أو أيامًا ثمَّ ينقضي، ويعقبه النصر والظفر؛ وهؤلاء معهم في الديار والمنازل صباحًا ومساءً، يدلّون العدوَّ على عوراتهم، ويتربَّصون بهم الدوائر، ولا يمكنهم مناجزتهم. فهم أحقّ بالعداوة من المباين المجاهر، فلهذا قيل: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ لا على معنى أنَّه لا عدوّ لكم سواهم، بل على معنى أنَّهم أحقّ بأن يكونوا لكم عدوًّا من الكفَّار المجاهرين.

ونظير ذلك قول النبيّ ﷺ "ليس المسكين بهذا٢ الطوَّاف الذي ترذه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يسأل النَّاس، ولا يُفطَنُ له فيُتصدّق عليه"٣. فليس هذا نفيًا لاسم المسكين عن الطوَّاف، بل إخبارٌ بأنَّ هذا القانع الذي لا يسمّونه مسكينًا أحقّ بهذا الاسم من الطوَّاف الذي يسمّونه مسكينًا.

ونظيره قوله: "ليس الشديد بالصُّرَعة، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب"٤. ليس نفيًا للاسم عن الصرعة، ولكن إخبار بأنَّ من يملك

  1. (١) "ف": "المباشرين"، سهو، فإنّ الأصل واضح.
  2. (٢) "بهذا" ساقط من "ب، ك، ط".
  3. (٣) من حديث أبي هريرة ﵁. أخرجه البخاري (١٤٧٩)، ومسلم في الزكاة (١٠٣٩).
  4. (٤) أخرجه البخاري في الأدب (٦١١٤)، ومسلم في البرّ والصلة (٢٦٠٩) عن أبي هريرة ﵁.
879

نفسه عند الغضب أحقّ منه بهذا الاسم.

ونظيره قوله: "ما تعدّون المفلسَ فيكم؟ " قالوا: من لا درهم له ولا متاع. قال: "المفلس من يأتي يوم القيامة بحسناتٍ أمثال الجبال، ويأتي قد لطَمَ هذا، وضرب هذا، وأخذ مال هذا؛ فيقتصّ هذا من حسناته، وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أُخِذَ من سيئاتهم ثمَّ طُرِحَ عليه فأُلقيَ في النار"١.

ونظيره قوله: "ما تعدّون الرَّقوب فيكم؟ " قالوا: من لا يولد له. قال: "الرقوب من لم يقدّم من ولده شيئًا"٢.

ومنه عندي قوله ﷺ: "الرِّبَا في النسيئة"، وفي لفظ: "إنَّما الرِّبَا في النسيئة"٣. هو إثبات لأن هذا النوع هو أحقّ باسم الرِّبَا من ربا الفضل، وليس فيه نفي اسم الرِّبَا عن ربا الفضل. فتأمله.

والمقصود أنَّ هذه الطبقة أشقى الأشقياء، ولهذا يستهزأ بهم في الآخرة، ويُعطَون٤ نورَا يتوسَّطون به على الصراط، ثمَّ يطفئ اللَّه نورهم، ويقال لهم: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد/ ١٣]. ويضرب بينهم وبين المؤمنين ﴿بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ١٣ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ١٤﴾ [الحديد/ ١٣ - ١٤]. وهذا أشدّ

  1. (١) أخرجه مسلم في البرّ والصلة (٢٥٨١) عن أبي هريرة ﵁.
  2. (٢) أخرجه مسلم في البرّ والصلة (٢٦٠٨) عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
  3. (٣) من حديث أسامة بن زيد ﵄. واللفظان عند مسلم (١٥٩٦)، وفي صحيح البخاري (٢١٧٩): "لا ربا إلَّا في النسيئة".
  4. (٤) "ك": "يعطى". "ط": "تعطى".
880

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي