طريق الهجرتين

الكفار ليُعِزّوهم أيضًا. ومن ههنا دخل عليهم البلاءُ، فإنَّهم أرادوا العزّ بين١ الطائفتين، ولم يكن لهمِ غرض في إيمان ولا إسلام٢ ولا طاعةٍ للَّه ورسوله، بل كان ميلهم وصغوهم ووجهتهم٣ إلى الكفَّار. فقوبلوا على ذلك بأعظم الذلّ، وهو أن جُعِلَ مستقرّهم في أسفل سافلين٤ تحت الكفار. فما اتصف به المنافقون من مخادعةِ اللَّه ورسوله والذين آمنوا، والاستهزاء باهل الإيمان، والكذب، والتلاعب بالدين، وإظهار أنَّهم من المؤمنين، وانطواءِ٥ قلوبهم علَى الكفر والشرك وعداوة اللَّه ورسوله = أمرٌ اختصّوا به عن الكفار، فتغلَّظ٦ كفرُهم به، فاستحقّوا الدرك الأسفل من النار.

ولهذا لمَّا ذكر تعالى أقسام الخلق في أوَّل٧ سورة البقرة، فقسمهم إلى مؤمنٍ ظاهرًا وباطنًا، وكافرٍ ظاهرًا وباطنًا، ومؤمن في الظاهر كافرٍ في الباطن وهم المنافقون = ذكر في حقِّ المؤمنين ثلاث آيات، وفي حقِّ الكفار آيتين. فلما انتهى إلى ذكر المنافقين ذكر فيهم بضع عشرة آية. ذمَّهم فيها غاية الذمّ، وكشَفَ عوراتهم٨، وفضحهم، وأخبر بأنَّهم٩

  1. (١) "ب": "من بين". "ك، ط": "العزتين من"، وكلاهما تحريف.
  2. (٢) "ف": "إسلام ولا إيمان"، خلاف الأصل. وفي "ك": "الإيمان ولا إسلام. . . ". وفي "ط": "الإيمان والإسلام ولا طاعة اللَّه".
  3. (٣) "ك، ط": "صغوهم وجهتهم".
  4. (٤) "ب، ك، ط": "السافلين".
  5. (٥) "ك، ط": "وأبطنوا"، تحريف!
  6. (٦) "ف": "فيغلظ"، تصحيف.
  7. (٧) "أول" سقط من "ف" سهوآ.
  8. (٨) زاد بعدها في "ط": "وقبّحهم".
  9. (٩) "ط": "أنهم".
882

هم السفهاء، المفسدون في الأرض المخادعون، المستهزئون، المغبونون في اشترائهم الضلالة بالهدى؛ وأنَّهم صمٌّ بكمٌ عميٌ فهم لا يرجعون، وأنَّهم مرضى القلوب وأنّ اللَّه يزيدهم مرضًا إلى مرضهم؛ فلم يدع ذمًّا ولا عيبًا إلَّا ذمّهم به. وهذا يدلّ على شدّة مقته سبحانه لهم، وبغضه إيَّاهم، وعداوته لهم، وأنّهم أبغض أعدائه إليه. فظهرت حكمته الباهرة في تخصيص هذه الطبقة بالدرك الأسفل من النار. نعوذ باللَّه من مثل حالهم، ونسأله معافاته ورحمته.

ومن تأمّل ما وصف اللَّه به المنافقين في القرآن من صفات الذمّ، علم أنّهم أحقّ بالدرك الأسفل. فإنّه وصفهم بمخادعته ومخادعة عباده. ووصف قلوبهم بالمرض، وهو مرض الشبهات والشكوك. ووصفهم بالإفساد في الأرض وبالاستهزاءِ بدينه وعباده، والطغيان١، واشتراءِ الضلالة بالهدى، والصمم والبكم والعمى، والحيرة، والكسل عند عبادته، والرياء٢، وقفة ذكره، والتردُّد -وهو التذبذب- بين المؤمنين والكفار، فلا إلى هؤلاءِ ولا إلى هؤلاءِ، والحلف باسمه تعالى كذبًا وباطلًا، وبالكذب، وبغاية الجبن، وبعدم الفقه في الدين، وبعدم العلم، وبالبخل، وبعدم الإيمان باللَّه وباليوم الآخر، وبالريب٣، وبأنهم مضرّة على المؤمنين، لا يحصل لهم بصحبتهم٤ إلَّا الشرّ من الخبال، والإسراع بينهم بالشرّ وإلقاءِ الفتنة، وكراهتهم لظهور أمر اللَّه

  1. (١) "ك": "بالطغيان". "ط": "بعباده وبالطغيان".
  2. (٢) "ك، ط": "والزنا"، تصحيف.
  3. (٣) "ك، ط": "وبالرب"، تحريف.
  4. (٤) "ك، ط": "ولا يحصل لهم بنصيحتهم"، تحريف.
883

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي