طريق الهجرتين

هم السفهاء، المفسدون في الأرض المخادعون، المستهزئون، المغبونون في اشترائهم الضلالة بالهدى؛ وأنَّهم صمٌّ بكمٌ عميٌ فهم لا يرجعون، وأنَّهم مرضى القلوب وأنّ اللَّه يزيدهم مرضًا إلى مرضهم؛ فلم يدع ذمًّا ولا عيبًا إلَّا ذمّهم به. وهذا يدلّ على شدّة مقته سبحانه لهم، وبغضه إيَّاهم، وعداوته لهم، وأنّهم أبغض أعدائه إليه. فظهرت حكمته الباهرة في تخصيص هذه الطبقة بالدرك الأسفل من النار. نعوذ باللَّه من مثل حالهم، ونسأله معافاته ورحمته.

ومن تأمّل ما وصف اللَّه به المنافقين في القرآن من صفات الذمّ، علم أنّهم أحقّ بالدرك الأسفل. فإنّه وصفهم بمخادعته ومخادعة عباده. ووصف قلوبهم بالمرض، وهو مرض الشبهات والشكوك. ووصفهم بالإفساد في الأرض وبالاستهزاءِ بدينه وعباده، والطغيان١، واشتراءِ الضلالة بالهدى، والصمم والبكم والعمى، والحيرة، والكسل عند عبادته، والرياء٢، وقفة ذكره، والتردُّد -وهو التذبذب- بين المؤمنين والكفار، فلا إلى هؤلاءِ ولا إلى هؤلاءِ، والحلف باسمه تعالى كذبًا وباطلًا، وبالكذب، وبغاية الجبن، وبعدم الفقه في الدين، وبعدم العلم، وبالبخل، وبعدم الإيمان باللَّه وباليوم الآخر، وبالريب٣، وبأنهم مضرّة على المؤمنين، لا يحصل لهم بصحبتهم٤ إلَّا الشرّ من الخبال، والإسراع بينهم بالشرّ وإلقاءِ الفتنة، وكراهتهم لظهور أمر اللَّه

  1. (١) "ك": "بالطغيان". "ط": "بعباده وبالطغيان".
  2. (٢) "ك، ط": "والزنا"، تصحيف.
  3. (٣) "ك، ط": "وبالرب"، تحريف.
  4. (٤) "ك، ط": "ولا يحصل لهم بنصيحتهم"، تحريف.
883

ومجيء الحقّ١، وأنّهم يحزنون بما يحصل للمؤمنين من الخير والنصر، ويفرحون بما يحصل لهم من المحنة والابتلاءِ، وأنَّهم يتربّصون الدوائر بالمسلمين، وبكراهتهم الإنفاق في مرضاة اللَّه وسبيله، وبعيب المؤمنين ورميهم بما ليس فيهم، فيلمزون المتصدّقين، ويعيبون مُزْهِدَهم٢، ويرمون مُكْثِرَهم٣ بالرياءِ وإرادة الثناءِ٤ في الناس، وأنّهم عبيد الدنيا، إن أُعطوا منها رضوا، وإن مُنعوها٥ سخطوا، وبأنهم يؤذون رسول اللَّه وينسبونه إلى ما برّأه اللَّه منه أو يعيبونه٦ بما هو من كماله وفضله، وبأنّهم٧ يقصدون إرضاءَ المخلوقين ولا يطلبون إرضاءَ ربّ العالمين، وأنّهم يسخرون من المؤمنين، وأنّهم يفرحون إذا تخلّفوا عن رسول اللَّه، ويكرهون الجهاد في سبيل اللَّه، وأنهم يتحيّلون على تعطيل فرائض اللَّه عليهم بأنواع الحيل، وأنّهم يرضون بالتخلّف عن طاعة اللَّه ورسوله، وأنّهم مطبوع على قلوبهم، وأنهم يتركون ما أوجب اللَّه عليهم مع قدرتهم عليه، وأنّهم أحلفُ الناس باللَّه قد اتخذوا أيمانهم جُنَّةً تقيهم من إنكار المسلمين عليهم. وهذا شأن المنافق أحلف الناس باللَّه كاذبًا، قد اتخذ يمينه جُنَّةً ووقايةً يتّقي بها إنكارَ المسلمين عليه.

  1. (١) "ط": "ومحو الحق"، تحريف.
  2. (٢) مِنْ أزهد الرجلُ: قلّ ماله.
  3. (٣) وضع "مكثرهم" في "ط" في آخر الجملة بعد "في الناس".
  4. (٤) "ك، ط": "إراءة الثناء"، تحريف.
  5. (٥) الضمير ساقط من "ك، ط".
  6. (٦) "ط": "ويعيبونه".
  7. (٧) "ك، ط": "وأنَّهم".
884

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي