ذكر اللَّه فلا يذكرونه إلَّا قليلًا، وأنّهم حزب الشيطان، وأنّهم يوادّون من حادّ اللَّه ورسوله، وبأنّهم يتمنّون ما يُحنِت المؤمنين ويشقّ عليهم، وأن البغضاءَ تبدو لهم من أفواههم وعلى فلتات ألسنتهم، وأَنّهم١ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.
ومن صفاتهم التي وصفهم بها رسول اللَّه ﷺ: الكذب في الحديث، والخيانة في الأمانة، والغدر عند العهد، والفجور عند الخصام، والخلف عند الوعد٢؛ وتأخير الصلاة إلى آخر وقتها، ونَقْرُها عجلةً وإسراعًا، وترك حضورها جماعةً، وأن أثقل الصلوات عليهم الصبح والعشاءُ٣.
ومن صفاتهم التي وصفهم اللَّه بها: الشحّ على المؤمنين بالخير، والجبن عند الخوف، فإذا ذهب الخوف وجاءَ الأمن سلقوا المؤمنين بألسنة حداد، فهم أحدّ الناس ألسنةً عليهم، كما قيل:
جهلًا علينا وجبنًا عن عدوّكمُلبئست الخَلّتان الجهلُ والجبنُ٤
وأنّهم عند المخاوف تظهر كمائن صدورهم ومُخبّآتها. وأمّا عند
(١) "ك، ط": "وبأنهم".
(٢) يشير إلى ما أخرجه البخاري (٣٣، ٣٤) ومسلم (٥٨، ٥٩) في كتاب الإيمان من حديث أبي هريرة وعبد اللَّه بن عمرو ﵃.
(٣) يشير إلى ما أخرجه البخاري في كتاب الأذان (٦٥٧) ومسلم في كتاب المساجد (٦٥١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) من قصيدة لقعنب بن أمّ صاحب -من شعراء الدولة الأموية- أوردها ابن الشجري في مختاراته (٥٠)، والرواية: "عن عدوّهم". وفي الزهرة (٦٢٨) وأمثال العسكري (١/ ١٠٤): "عدوّكم" كما هنا.
الأمن فيجب ستره، فإذ الحق المسلمين خوفٌ دبّت عقارب قلوبهم، وظهرت المخبّآت، وبدت الأسرار.
ومن صفاتهم: أنّهم أعذبُ الناس ألسنةً، وأمرُّهم قلوبًا، وأعظم الناس مخالفةً١ بين أعمالهم وأقوالهم. ومن صفاتهم أنّه٢ لا يجتمع فيهم حُسن سمت٣ وفقه في دين أبدًا. ومن صفاتهم أنّ أعمالهم تكذب أقوالهم، وباطنهم يكذّب ظاهرهم، وسرائرهم تناقض علانيتهم.
ومن صفاتهم: أنّ المؤمن لا يثق بهم٤ في شيء، فإتهم قد أعدّوا لكلّ أمر مخرجًا منه، بحقّ أو بباطل، بصدق أو بكذب، ولهذا سُمِّي "منافقًا" أخذًا من نافقاءِ اليربوع. وهو بيت يحفره، ويجعل له أسرابًا مختلفة، وكلَّما٥ طُلِبَ من سَرَبٍ خرج من سَرَبٍ آخر، فلا يتمكَّن طالبُه مِن حصره في سرب واحد. قال الشاعر:
ويُستخرجَ اليربوعُ من نافقائهومن بيته ذو الشِّيحة اليتقَصَّعُ٦
فأنت منه كقبضٍ٧ على الماءِ، ليس معك منه شيء.
(١) "ط": "خلفًا".
(٢) "ك، ط": "أنهم".
(٣) "ك، ط": "صمت" تحريف.
(٤) "ف": "منهم"، سهو.
(٥) "ك، ط": "فكلما".
(٦) "ط": "ومن جحره بالشيحة". والبيت لذي الخِرَق الطُّهَوي -جاهلي- من أبيات أوردها أَبو زيد في نوادره. والرواية: "ومن جحره". انظر: النوادر (٢٧٦ - ٢٧٨) وخزانة الأدب (١/ ٣٥).