طريق الهجرتين

ومن صفاتهم: كثرة التلوّن، وسرعة التقلُّب، وعدم الثبات على حال واحد. بينا تراه على حال تعجبك من دين أو عبادة أو هدي صالح أو صدق، إذ انقلب إلى ضدِّ ذلك كأنَّه لم يعرف غيره. فهو أشدّ الناس تلوّنًا وتقلُّبًا وتنفُّلًا، جيفةً بالليل قُطْرُبًا١ بالنَّهار.

ومن صفاتهم: أنَّك إذا دعوتهم عند المنازعة إلى التحاكم٢ إلى القرآن والسنَّة أَبوا ذلك وأعرضوا عنه، ودعوك إلى التحاكم إلى طواغيتهم. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ٦٠ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ٦١ فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ٦٢ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ٦٣﴾ [النساء/ ٦٠ - ٦٣].

ومن صفاتهم: معارضة ما جاءَ به الرسول ﷺ بعقول الرجال

  1. (١) "ب": "بطالًا"!. وفي "ط": "قطرب" بالرفع. جاء عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁: "لا أعرفنّ أحدكم جيفةَ ليل قطربَ نهار". قال أَبو عبيد: "يقال إن القطرب لا تستريح نهارها سعيًا. فشبّه عبد اللَّه الرجل يسعى نهاره في حوائج دنياه، فإذا أمسى أمسى كالًّا تعِبًا، فينام ليلته حتى يصبح كالجيفة لا يتحرّك. فهذا جيفة ليل، قطرب نهار". انظر: اللسان (قطرب ١/ ٦٨٣). وقد وردت في طرة "ف" حاشية بالخط الفارسي تقول: "وله أربعة عشر معنى منها أنه دويبة" ثم نقلت الحديث وتفسيره من الراموز، وهو معجم مخطوط لمحمد بن حسن الأدرنوي المتوفى ٨٦٦ هـ.
  2. (٢) سقط " إلى" من "ك". وفي "ط": "للتحاكم".
888

وآرائهم، ثمَّ تقديمها على ما جاءَ به. فهم معرضون عنه معارضون له، زاعمون أنَّ الهدى في آراء الرجال وعقولهم، دون ما جاءَ به. فلو أعرضوا عنه وتعوّضوا بغيره لكانوا منافقين، فكيف إذا جمعوا إلى ذلك١ معارضتَه وزعمَهم٢ أنَّه لا يستفاد منه هدى!

ومن صفاتهم: كتمان الحقِّ، والتلبيس على أهله، ورميهم لهم٣ بادوائهم هم٤. فيرمونهم -إذا أمروا بالمعروف، ونهَوا عن المنكر، ودعَوا إلى اللَّه ورسوله- بأنَّهم أهل فتن مفسدون في الأرض. وقد علم اللَّه ورسوله والمؤمنون أهلَ الفتن المفسدين٥ في الأرض. وإذا دعا٦ ورثة الرسول إلى كتاب اللَّه وسنَّة رسوله خالصة غيرَ مشوبة، رموهم بالبدع والضلال. وإذا رأوهم زاهدين في الدنيا راغبين في الآخرة متمسّكين بطاعة اللَّه ورسوله، رموهم بالزوكرة٧ والتلبيس والمِحال. وإذا رأوا معهم حقًّا ألبسوه لباسَ الباطل، وأخرجوه لضعفاءِ العقول في

  1. (١) "ك، ط": "مع ذلك".
  2. (٢) "ط": "وزعموا".
  3. (٣) "ب، ك، ط": "له"، خطأ.
  4. (٤) "هم" ساقط من "ب، ك، ط".
  5. (٥) في الأصل: "المفسدون"، سبق قلم والمثبت من "ف، ب". وفي "ك": "بأنهم أهل الفتن المفسدون"، فأبق ما في الأصل وزاد "بأنهم". وكذا في "ط".
  6. (٦) "ك": "دعاه". "ط": "دعاهم".
  7. (٧) وردت كلمة "الزواكرة" في كلام للسان الدين ابن الخطيب، ففسّره المقّري بقوله: "الزواكرة: لفظ يستعمله المغاربة، ومعناه عندهم المتلبّس الذي يظهر النسك والعبادة، ويبطن الفسق والفساد" نفح الطيب (٦/ ١٢). والزوكرة: مصدر منه بمعنى التلبيس والرياء. قال الشيخ أحمد رضا: العامة تقول: زوكره إذا لبّس عليه. معجم متن اللغة (٣/ ٤٥).
889

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي