طريق الهجرتين

وآرائهم، ثمَّ تقديمها على ما جاءَ به. فهم معرضون عنه معارضون له، زاعمون أنَّ الهدى في آراء الرجال وعقولهم، دون ما جاءَ به. فلو أعرضوا عنه وتعوّضوا بغيره لكانوا منافقين، فكيف إذا جمعوا إلى ذلك١ معارضتَه وزعمَهم٢ أنَّه لا يستفاد منه هدى!

ومن صفاتهم: كتمان الحقِّ، والتلبيس على أهله، ورميهم لهم٣ بادوائهم هم٤. فيرمونهم -إذا أمروا بالمعروف، ونهَوا عن المنكر، ودعَوا إلى اللَّه ورسوله- بأنَّهم أهل فتن مفسدون في الأرض. وقد علم اللَّه ورسوله والمؤمنون أهلَ الفتن المفسدين٥ في الأرض. وإذا دعا٦ ورثة الرسول إلى كتاب اللَّه وسنَّة رسوله خالصة غيرَ مشوبة، رموهم بالبدع والضلال. وإذا رأوهم زاهدين في الدنيا راغبين في الآخرة متمسّكين بطاعة اللَّه ورسوله، رموهم بالزوكرة٧ والتلبيس والمِحال. وإذا رأوا معهم حقًّا ألبسوه لباسَ الباطل، وأخرجوه لضعفاءِ العقول في

  1. (١) "ك، ط": "مع ذلك".
  2. (٢) "ط": "وزعموا".
  3. (٣) "ب، ك، ط": "له"، خطأ.
  4. (٤) "هم" ساقط من "ب، ك، ط".
  5. (٥) في الأصل: "المفسدون"، سبق قلم والمثبت من "ف، ب". وفي "ك": "بأنهم أهل الفتن المفسدون"، فأبق ما في الأصل وزاد "بأنهم". وكذا في "ط".
  6. (٦) "ك": "دعاه". "ط": "دعاهم".
  7. (٧) وردت كلمة "الزواكرة" في كلام للسان الدين ابن الخطيب، ففسّره المقّري بقوله: "الزواكرة: لفظ يستعمله المغاربة، ومعناه عندهم المتلبّس الذي يظهر النسك والعبادة، ويبطن الفسق والفساد" نفح الطيب (٦/ ١٢). والزوكرة: مصدر منه بمعنى التلبيس والرياء. قال الشيخ أحمد رضا: العامة تقول: زوكره إذا لبّس عليه. معجم متن اللغة (٣/ ٤٥).
889

قالبه١ لينفروهم عنه، وإذا كان معهم باطل ألبسوه لباس الحقِّ وأخرجوه في قالبه ليقبل منهم.

وجملة أمرهم أنَّهم في المسلمين كالزغَل في النقود، يروج على أكثر النَّاس لعدم بصيرتهم بالنقد، ويعرف حاله الناقد البصير من النَّاس، وقليل ما هم! وليس على الأديان أضرّ من هذا الضرب من النَّاس، وإنَّما تفسد الأديان من قِبَلهم. ولهذا جلا اللَّه أمرهم في القرآن، وأوضح أوصافهم، وبيَّن أحوالهم، وكرَّر ذكرهم؛ لشدَّة المؤنة على الأمَّة بهم، وعِظَم البليَّة عليهم بوجودهم بين أظهرهم، وفرط حاجتهم إلى معرفتهم والتحرُّز من مشابهتهم أو الإصغاءِ٢ إليهم.

فكم قطعوا على السالكين إلى اللَّه طريقَ الهدى، وسلكوا بهم سُبل الردى٣! ووعدوهم٤ ومنَّوهم، ولكن وعدوهم الغرور، ومنَّوهم الويل والثبور!

فكم لهم من قتيل ولكن في سبيل الشيطان، وسليبٍ ولكن للباس التقوى والإيمان. وأسيرٍ لا يُرجى له الخلاص، وفارٍّ من اللَّه لا إليه، وهيهات، لات٥ حين مناص!

صحبتُهم توجِب العار والشنار، ومودّتهم تُحِلُّ غضب الجبَّار،

  1. (١) يعني في قالب الباطل. وفي "ط": "قالب شنيع"!.
  2. (٢) "ك، ط": "والإصغاء".
  3. (٣) "ك، ط": "طرق الهدى. . سبيل الردى"!
  4. (٤) "ك، ط": "وعدوهم" دون واو العطف.
  5. (٥) "ك، ط": "ولات".
890

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي