طريق الهجرتين

حياضَ العذابَ، لا المواردَ العَذاب. وأسامهم١ من الخسفِ والبلاءِ أعظم خِطَّةٍ٢، وقال: ادخلوا باب الهوان صاغرين، ولا تقولوا حِطَّة، فليس بيوم حطَّة. فواعجبا لمن نجا من شِراكهم، لا لمن٣ علِق! وأنِّى ينجو منها٤ من غلبت عليه شقاوتُه ولها خُلِقَ!

فحقيق بأهل هذه الطبقة أن يحلّوا بالمحلِّ الذي أحلّهم اللَّه من دار الهوان، وأن ينزلوا في أردأ منازل أهل العناد والكفران.

وبحسب إيمان العبد ومعرفته، يكون خوفه أن يكون من أهل هذه الطبقة. ولهذا اشتدَّ خوف سادة الأمة وسابقيها٥ على أنفسهم أن يكونوا منهم، فكان عمر بن الخطاب يقول: يا حذيفة نشدتك٦ اللَّهَ، هل سمَّاني رسول اللَّه ﷺ مع القوم؟ فيقول: لا، ولا أزكّي بعدك أحدًا٧. يعني لا أفتح عليَّ هذا الباب في تزكية الناس. ليس٨ معناه أنَّه لم يبرأ

  1. = "وساموهم"، "قالوا".
  2. (١) كذا في الأصل وغيره، وهو الصواب. وفي "ط": "ساموهم" من سامه الذلّ: أولاه إيّاه. وانظر التعليق الآتي.
  3. (٢) ضبطت في "ب" بضم الخاء، وهو خطأ في هذا السياق، لأن أسام الماشية: خلَّاها ترعى. والخطة بالضم: الأمر والحال. وبالكسر: المكان المختطّ، وهذا هو المراد، فإنّه شبَّههم بالأنعام، وأوردهم "المؤذن" الحياض فسقاهم منها، ثم خرج بهم إلى مرعى السوء. وقرينة السجع الآتية "حِطة" أيضًا بالكسر لا بالضمِّ.
  4. (٣) "ط": "من".
  5. (٤) "منها" ساقط من "ك، ط".
  6. (٥) في الأصل: "سابقوها"، سهو، وكذا في "ب، ك، ط". والمثبت من "ف".
  7. (٦) "ك، ط": "ناشدتك".
  8. (٧) تقدّم تخريجه في ص (٦٢٨).
  9. (٨) "ط": "وليس".
892

من النفاق غيرك.

وقال ابن أبي مليكة: أدركتُ ثلاثين من أصحاب رسول اللَّه ﷺ كلّهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنَّه على إيمان جبريل وميكائيل١.

الطبقة السادسة عشرة٢: طبقة٣ رؤساءِ الكفر وأئمته ودعاته الذين كفروا وصدّوا عباد اللَّه عن الإيمان وعن الدخول في دينه رغبةً ورهبةً. فهؤلاء عذابهم مضاعَف، ولهم عذابان: عذاب الكفر، وعذاب بصدِّ النَّاس عن الدخول في الإيمان. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل/ ٨٨]. فأحد العذابين بكفرهم، والعذاب الآخر بصدّهم عن سبيل اللَّه.

وقد استقرَّت حكمة اللَّه وعدله أن يجعل على الداعي إلى الضلال مثل آثام من اتبعه واستجاب له. ولا ريبَ أنَّ عذاب هذا يتضاعف ويتزايد بحسب من اتَّبعه وضلَّ به. وهذا النوع في الأشقياء مقابل دعاة الهدى في السعداء، فأولئك يتضاعف ثوابهم وتعلو درجاتهم بحسب من اتَّبعهم واهتدى بهم، وهؤلاء عكسهم.

ولهذا كان فرعون وقومه في أشدِّ العذاب، قال تعالى في حقهم: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ

  1. (١) "وقال ابن أبي مليكة. . . " إلى هنا سقط من "ف". وقول ابن أبي مليكة هذا ذكره البخاري تعليقًا في كتاب الايمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.
  2. (٢) في الأصل: "عشر"، وكذا في غيره. والمثبت من "ط".
  3. (٣) "طبقة" ساقط من "ك، ط".
893

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي