وقوله: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا ١١﴾[الجن/ ١١] بيان لقولهم: ﴿مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: كنَّا ذوي طرائق. وهي المذاهب، واحدها طريقة، وهي المذهب. والقِدَد جمع قِذَة، كقطعة وقِطَع وزنًا ومعنًى. وهي من القَدّ، وهو القطع.
وقيل: المعنى١ كُنَّا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة في اختلافها، وعلى هذا فالمعنى: كُنَّا كطرائق٢ قددًا. وليس بشيء.
وأضعفُ منه قول من قال: إنَّ "طرائق" منصوب على الظرف، أي: كُنَّا في طرائق٣ مختلفة كقوله:
كما عَسَل الطريقَ الثعلبُ٤
وهذا ممَّا لا يحمل عليه أفصح الكلام.
وقيل: المعنى كانت طرائقنا طرائق قددًا فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه٥.
= ونصّ البيت فيه أقرب شيء إلى ما هنا. أما "سائق لهم" كما في الأصل، فلعله سهو.
(١) "المعنى" ساقط من "ط".
(٢) "ك، ط": "طرائق".
(٣) "ك": "طريق". "ط": "طرق".
(٤) "كما" ساقط من "ط". والشاهد من قول ساعدة بن جُؤيّة الهذلي: لَدْنٌ بِهَزّ الكفِّ يعسِلُ متنُه ... فيه كما عَسَل الطريقَ الثعلبُ شرح أشعار الهذليين (١١٢٠).
(٥) انظر الأقوال الأربعة مع الشاهد في: الكشاف (٤/ ٦٢٧).
وقال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾[الجن/ ١٤]. فالمسلمون: الذين آمنوا باللَّه ورسوله منهم. والقاسطون: الجائرون العادلون عن الحقِّ. قال ابن عباس: هم الذين جعلوا للَّه أندادًا١. يقال: "أقسط الرجل" إذا عدل، فهو مقسط. ومنه: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ٩﴾[الحجرات/ ٩]. "قَسَط" إذا جار فهو قاسط ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ١٥﴾[الجن/ ١٥].
وقد٢ تضمَّنت هذه الآيات انقسامهم إلى ثلاث طبقات: صالحين، ودون الصالحين، وكفَّار. وهذه الطبقات بإزاء طبقات بني آدم، فإنَّها ثلاثة: أبرار، ومقتصدون وكفار. فالصالحون بإزاء الأبرار، ومن دونهم بإزاء المقتصدين، والقاسطون بإزاء الكفار.
وهذا كما قسم سبحانه بني إسرائيل إلى هذه الأقسام الثلاثة في قوله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾[الأعراف/ ١٦٨]. فهؤلاء الناجون منهم. ثمَّ ذكر الظالمين، وهم خَلْف السوء الذين خلفوا بعدهم.
ولمَّا كان الإنس أكمل من الجنّ وأتمّ عقولًا ازدادوا عليهم بثلاثة أصناف أخر ليس شيء منها للجنّ، وهم: الرسل، والأنبياء، والمقرَّبون. فليس في الجنّ صنف من هؤلاء، بل غايتهم٣ الصلاح.
وذهب شُذوذ٤ من النَّاس إلى أنَّ فيهم الرسل والأنبياء